كتاب وشعراء

هي الوطن الذي لم أبلغه…بقلم أحمد العك

هي الوطن الذي لم أبلغه
أُحبُّها…
كما يُحبُّ المنفيُّ آخرَ شبرٍ من تراب وطنه، وكما يُحبُّ الغريقُ اليابسةَ التي لم يصل إليها.
أُحبُّها لا لأنها امرأةٌ جميلة فحسب، بل لأنها الجزءُ الذي ينقصني لأكتمل، والنبضُ الذي كلما ابتعد عني شعرتُ أن قلبي يتيه في طرقٍ لا نهاية لها.
هي أمّي حين تضيق بي الدنيا، فأبحث بين ملامحها عن مأوى، وأفتّش في صوتها عن طمأنينةٍ لم يمنحني إياها أحد.
وهي ابنتي التي أتباهى بها أمام الحياة، أحملها في قلبي كما يحمل الفلاح سنبلته الأخيرة، وأرى في نجاحها انتصارًا لي، وفي ابتسامتها عيدًا يمرُّ على روحي.
وهي حبيبتي… شهدي إذا أمرّتني الأيام، وربيعي إذا أجدبت الفصول، ونوري إذا تكاثفت حولي عتمات العمر.
أراها في المطر حين يهطل، وفي الياسمين حين يفوح، وفي القمر حين يكتمل، حتى غدت الأشياء كلها تستعير شيئًا من جمالها.
أشتهي قربها كما تشتهي الأرضُ أولَ قطرة غيث، لكن بيني وبينها قدرٌ عنيد، ومسافاتٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالحرمان.
كم تمنيت أن أجلس قربها ساعةً واحدة، أختصر فيها أعوامًا من الانتظار، وأقول لها: إنكِ لم تكوني يومًا امرأةً عابرة، بل كنتِ وطنًا كاملًا أحمل حدوده في قلبي.
أحتاج معجزةً من السماء، لا لتجعلني سعيدًا، بل لتجمع يدي بيدها مرةً واحدة، لأشعر أن العمر لم يمضِ سدى.
فلقاؤها فقير، بل يكاد يكون معدومًا، لكنها تزورني كل يوم، في فكرةٍ عابرة، وفي أغنيةٍ قديمة، وفي حلمٍ يوقظني قبل اكتماله.
هي مملكتي التي لم أدخلها، وجنتي التي أراها ولا أصل إليها، وقدري الجميل المؤلم، والوطن الوحيد الذي ما زلتُ أرفع راية الانتماء إليه رغم استحالة الوصول.
فإن سألوني: من تكون؟
سأقول:
هي امرأة… لكنها بالنسبة لي أمٌّ حين أنكسر، وابنةٌ حين أفتخر، وحبيبةٌ حين أعشق، ووطنٌ حين أضيع، وعمرٌ كاملٌ حين يمرُّ اسمها في قلبي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى