رؤي ومقالات

أشرف الصباغ يكتب :المشهد مؤلم، والواقع أكثر إيلامًا.

بصرف النظر عن المدة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب على إيران، فالمعركة الحقيقية الفاصلة بين الولايات المتحدة وإيران لم تبدأ بعد. وأعتقد أنها ستبدأ بعد المدة التي حددها ترامب وفي ضوء نتائج الأسابيع الأربعة.
البرنامجان النووي والصاروخي الإيرانيان أصبحا في حكم الماضي. وهذا ليس قرارًا مني أو تأكيدا، لكن كل الشواهد تؤكد أن تحركات الولايات المتحدة، وردود أفعال القوى الكبرى (الصين وروسيا من جهة، وفرنسا وبريطانيا وألمانيا من جهة أخرى) تسير في اتجاه حسم هذا الأمر.
مسألة تغيير النظام في إيران، أو تحويل مسار إيران عكس المسار السابق، يعتمدان على نتائج المعركة التي لم تبدأ بعد، وعلى نتائج وقف وإلغاء هذين البرنامجين. ولا يمكن هنا أ
كل المنظمات والصيغ التي تشارك فيها إيران، وعلى رأسها منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، لن تتمكنا إطلاقا من إنقاذ إيران من المصير المحدد سلفا، بصرف النظر عن التكاليف الباهظة التي يمكن أن تدفعها الولايات المتحدة.
وبعيدًا عن اللغط الإعلامي، والحرب الدعائية التي تتكرر بحذافيرها منذ منتصف القرن العشرين، فالواقع يشير إلى وجود مشهد آخر تماما، معاكس لكل تمنيات ورجاءات الكسالى أصحاب الصوت العالي، والدعاية المقيتة، والتزييف والتضليل وخداع النفس. وكلما زادت التمنيات والرجاءات والدعاية والتزييف، كلما ابتعدنا عن الواقع، أو بالأحرى عن القراءة الواقعية المفيدة والبناءة للواقع.
العقول الواعية والمستنيرة تدرك حجم المأساة، وصعوبة المشهد وتشابكاته. والعقول المغيبة التي تعتمد على الوعود الإلهية والاستثنائية والاصطفاء والانتصار النهائي، لا تقوم فقط بالتزييف والتضليل، بل وأيضا تساهم في تدمير القضايا التي تتبناها هي نفسها وتتصور أنها تدافع عنها. بل وتتصور أنها تحقق انتصارات. بينما الواقع والنتائج يشيران إلى عكس ذلك تماما.
لن تتدخل لا روسيا ولا الصين. فروسيا لديها ما يكفيها من المشاكل. والصين لديها نهجها في تحقيق مصالحها. ولكن لا مانع من إصدار بيانات دعم ومناصرة وشجب وإدانات. ولا أزمة طاقة أو عملة أو أزمات بنكية. ففي بداية كل حرب أو ازمة تحدث اهتزازات في الأسواق. وهذا أمر طبيعي. لكن سرعان ما تستقيم الأمور مع بعض التغيرات الطفيفة غير المؤثرة، وغير تلك التي تتم المبالغة فيها.
أوروبا تحصل على الطاقة، والصين والهند تحصلان على الطاقة. وإيران ليست المصدر الوحيد للطاقة في العالم. وإغلاق مضيق هرمز لن يؤثر بهذا القدر المبالغ فيه على إمدادات الطاقة. نعم، هناك اهتزازات في الأسواق، وقلق بالنسبة لطرق النقل. ولكنها أمور عارضة سرعان ما سيتم التعامل معها بطريقة أو بأخرى، خاصة وأن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تبدأ إلا منذ يومين فقط. ولنا عبرة في الأزمات والحروب السابقة منذ غزو الكويت، حتى حرب أوكرانيا. إذا حدثت اهتزازات في الأسواق، ثم استقامت الأمور بعد ذلك.
المشهد مخيف للغاية. ولكنه أمر واقع يجب التعامل معه، ليس وفق العواطف والرومانسيات والتزييف ودفن الرأس في التراب وإعلان الاستثنائية والاصطفاء والانتصارات الوهمية. بل يجب التعامل مع هذا الأمر الواقع ببرجماتية شديدة واستثنائية. فلا توجد رفاهية للتجريب أو التأرجح أو عقد تحالفات خاسرة. وهذا الكلام يتعلق بالدول ومواقف الحكومات والأنظمة السياسية. ولا مجال للطميات والبكاء والعويل، لأن المشهد مخيف ومرعب ويستحق حسابات دقيقة وصارمة.
ومرة أخرى، لن تكون هناك حرب عالمية ثالثة، ولا حرب نووية، ولا أزمة طاقة. ولن تتضرر دول الخليج بالشكل المبالغ فيه والذي يتم الترويج له، بل على العكس. والأهم أن إسرائيل لن تهيمن على المنطقة، لأسباب كثيرة ذكرنا جزءا منها في مقال سابق. أما هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة أو على العالم، فهذا أمر يثير الضحك قليلا، لأن الولايات المتحدة لا تهيمن فقط على المنطقة بل على العالم، وهذا أمر لا علاقة له إطلاقا بموضوع إيران أو العراق أو ليبيا أو السودان. هذا موضوع له سياقاته ومقوماته وأسبابه المنطقية. وهذا لا يعني إطلاقًا أننا مع الهيمنة الأمريكية، سواء على المنطقة أو على العالم.
المشهد مؤلم، والواقع أكثر إيلامًا. ويبدو أننا تأخرنا كثيرًا، أو بالأحرى تأخرنا ونخشى التحرك إلى الأمام، وربما نكون مربوطين جيدا بالماضي وبأوهامنا عن أنفسنا، وتخلينا عن العقل والمنطق، ولجوئنا إلى التفسيرات اللاهوتية والعنترية والمنطق المعكوس..
لا فائدة من الكلام الكثير والرغي والثرثرة، ولا فائدة من إطلاق الاتهامات والوصم. لا فائدة إطلاقا من المعارك الوهمية والافتراضية، والنضال الإعلامي ومعارك السوشيال ميديا، لأن كل ذلك لا يسبب فقط مشاكل، بل يعتبر جزءا من مشاكلنا وتفاهتنا واختبائنا وراء إهانة بعضنا البعض ووصم بعضنا البعض، وتصوراتنا المعيبة بأننا نناضل فعلا أمام شاشات الكمبيوتر، وأن ما يجري في الواقع يعتمد على نضالنا الشرس على السوشيال ميديا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى