
” عندما يتعرض بلد لقمع طويل، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج الى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيها ما يمكن تسميته: المواطن المستقر”.
* المفكر الفرنسي إتيان دولا بويسي في كتابه : العبودية الطوعية .
الشعوب التي تعيش تحت استبداد طويل تتعايش معه ولا تعود تبحث عن الحرية والعدالة بل عن النجاة ويولد مع الزمن المواطن المستقر تحت نظام غير عادل وفاسد وعبودي،
وهو المواطن الميت كنظام الزومبي الميت المنتظر الدفن،
المتنازل عن كل أسس وشروط الحياة الحقيقية مقابل ” العيش” وليس الحياة والفارق كبير بين العيش لأن كل المخلوقات تعيش وبين الحياة وحتى في اللغة. يظهر الاستبداد مع الزمن وتعاقب الاجيال أنيقاً ومنظماً وشرعياً ومسيجاً بالاخلاق والقوانين وأعراف السلطة.
في العيش تتحول الحياة الى” محاولة” للبقاء على قيد الحياة وتفقد الحشود رغبتها في التغيير وتلجأ الى الخلاص الفردي وكل طبقة أو شريحة تحاصر نفسها في وضع تهديد وتتحدث بافراط عن حقها في الحياة وعن ماضيها وعن ظلمها وعن مخاوفها. يختفي مشروع الدولة الوطنية ودون وعي تسيج نفسها بجدران العزل وتخلق أعداءً يستعملون المنطق نفسه ويصبح الصراع جزءاً من قواعد اللعبة.
لكن هذا” المواطن المستقر” كحجرة ولد ونشأ نتيجة ظروف ومراحل
حتى وصل الى هذا” الاستقرار” المنعش المخدر .
يضيف لابويسي” إن هناك عاملين مهمين يخدمان قضية العبودية الطوعية وهما: الدين والخرافات”. أي التوظيف الديني وتحويله الى خرافات وخلق الدين الجديد والنتيجة؟ .
” إذا اعتنقت طبقة من اللصوص أسطورة فانتظروا مذبحة أو ما هو أسوأ من ذلك : ولادة دين جديد. “- كما قال إميل سيوران.
جميع نظم الاستبداد تحرص على ترسيخ الطقوس ، أو ما يعرف بالطقسية، في اجترار مزمن للحوادث التاريخية للهروب من رهانات الحاضر واستحقاقاته وفي الحفاظ على المراسيم لخلق فكرة خلود الماضي وأبديته بين الناس، واعادة تكرار مفاهيم الطاعة حتى يجد المواطن نفسه معتقلا من الداخل بشبكة مفاهيم .
مارس النظام السابق في العراق ــــــــــــــ كالسوري ــــــــــ الطقوسية Ritualism بافراط من خلال الحفلات والمهرجانات وصور الطاغية في كل منعطف وشارع ومؤسسة ومنزل وصحيفة وشاشة وحفلات التكريم وكذلك التماثيل لكي يشعر المواطن ان الواقع الحالي هو أبدي ويستسلم ، أي ” الترويض” الناعم وهو من مفاهيم علم الاجتماع عكس الترويض الخشن ،
ولم تتغير الطقوسية اليوم بل تغيرت رموزها لكن الغاية واحدة: خلق الواقع البديل والاعتقال الذاتي وتأبيد الواقع وخلوده.
الطقوسية والرمزية هي وظائف وعلى المواطن واجب العمل بها كطقس تطهير من آثام وذنوب التاريخ وليست هناك طريقة أفضل للسيطرة عليه أفضل من حشوه وتعبئته بمشاعر الاثم والذنب لان كل احلامه تتمحور حول الغفران وليس الحرية. ما حاجة الآثم والمذنب للحرية؟
كنت أسمع هذا الصباح خطاب ” رجل دين” يقول: رغم كل الفساد والمساوئ لكننا نملك فرصة زيارة كربلاء.
هكذا يتم اختزال التاريخ بالطقوسية مع إن كربلاء ثورة على الفساد والطغيان ولم تكن طقساً دينياً. الزيارة الحقيقية ان تعيش عمق وشجاعة تلك الثورة ولو كنت في أقاصي الأرض.
هذا المستقر رضع العبودية مع الحليب وقدمت له على شكل قوانين ودساتير وقواعد ومبادئ،
ونظامه يعتبر الشعب أسرى والثروة غنيمة حرب والوطن مُلكية عقارية ومزرعة.
هذا المستقر يرعبه توقف ساعة الحائط وانفجار اطار سيارة وقت الظهيرة،
ويصاب بالهلع من سقوط ورقة خريف كما لو أن السماء أطبقت على الأرض،
جرس بائع النفط في الشارع يحسبه بوق اسرافيل يوم القيامة، ولو فقد جوربه يظل يبحث ويلعن مؤامرة ضده من قبل أشباح، وانقطاع الكهرباء في السينما يعني عملية سطو مسلح،
ونظرة عابرة من عابر طريق انذار باغتيال، وتوقف سيارة مضببة الزجاج يعني عملية اختطاف،
ووجود شخص في مقهى بنظارات سوداء وجريدة،
يعني عميل مخابرات يتابعه ـــــــــــــــ حتى في المنفى ــــــــــ مع ان زبال الشارع لا يعرفه ولا صاحب الفرن المجاور، ولا وجود له حتى في قوائم الاغتيال،
ولا سجل بقال الحي لكنه مذعور وفي حالة طوارئ لا يفكر بل يهرب، يتحاشى، كطريدة هاربة.
المواطن المستقر، بعد اضطرابات وفوضى وصدامات يريد العودة الى الاستقرار،
كما لو أن ما قبل الفوضى وغياب العدالة والمجازر والنهب ليست فوضى،
والاستقرار عنده توفر العيش المقرف ولو بلا عدالة.
مع أنه لا يوجد أي استقرار بلا عدالة: العدالة نقيض الفوضى. المستقر يريد العودة لتحكيم القانون والدستور،
ولا يجد رابطاً بين موته اليومي وبين القانون والدستور لأنه يُسرق تحتهما ولا يعرف ان نسخة الدستور العراقي الحالي كمثال لم تكن هي النسخة الأصلية بل قدمت له نسخة مزيفة للموافقة عليها. هل هناك شكل للاحتقار أفظع؟
يعيش سمل المواطن سلسلة انفصالات : عن نفسه كاغتراب نفسي وعن الواقع وعلاقته بالتاريخ علاقة تخيلية غير موثقة وسرديات شفوية متداولة،
كذلك علاقته بالاخر تخيلية فلا يراه كما هو بل كما يتخيله، لكنه عاجز معرفيّاً وفكرياً ونفسياً عن تخيل ذاته لانه يعيش بذات مزيفة مصطنعة،
وعلاقته معها علاقة معطف معلق فوق مشجب أو ثوب على حبل الغسيل.
المستقر فرح وسعيد لو اشتغل قطار أو مصنع أو مطار أو ارتفع سعر العملة أو قبضوا على لص أو ترميم حائط في مؤسسة او رفع نفايات من الشارع ،
لان العقل الاختزالي لا يرى الواقع الا تفاصيل وجزرات معزولة .
لا يعرف انه لن يقبض شيئاً من كل ذلك، ويحتفل باخبار مشاريع لا ناقة له ولا جمل فيها،
في بلد بلا اقتصاد واضح الملامح ونظام مصرفي لصوصي وطبقة فاسدة وبلا سلطة ثقافية في مواجهة السلطة السياسية والاجتماعية كما في كل شعوب العالم منذ عصور وحتى اليوم،
وهو يجزيء الاحداث ويعزلها عن بعضها وعن النظام لان العقل الاختزالي عاجز عن الربط بين الظواهر.
المواطن المستقر لم يعد بحاجة الى الحرية،
بل يحتاج الغفران بعد أن تم تحميله بكل جرائم التاريخ، كما لو انه ليس من هذا الحاضر بل ينتمي لتاريخ قديم في معارك لم يكن فيها شجاعاً ومنصفاً
ولم يولد في مدينة مكتظة بل في صحراء عريقة في القدم .
هذا المستقر صديق النظام ودرعه وحاميه هو العائق الأول والأخير عن ولادة أي نظام عادل قادم، لأنه شاف الموت فرضي بالحمى.
المواطن المستقر هو جيش النظام الاحتياطي الخفي خلال أوقات الغليان لانه لا يشارك فيها،
مما يوفر للنظام الفرصة وحشد القوة في أضيق الأمكنة وتوفير الوقت للاستفراد بالمحتجين وقمع العصيان المدني للعودة الى” الاستقرار” و” النظام” و” الهدوء ” و ” القانون” بل الأكثر سخرية الجميع يطالب بالعودة الى ” الدستور” الذي يعرفون جيداً نسخته المزورة في أغرب استفتاء لشعب بذاكرة مبتورة يعشق” الاستقرار” المهين كسجناء زنازين لا يطالبون بالحرية بل تحسين أخلاق الجلادين والسماح لهم بــــــ “حرية” الرسم على جدران الزنزانة.
ــــــــــــــــــــــــــ 1: خلال اعداد الدستور تم قتل 3 من رجال القانون بعد ساعات من رفضهم فقرات تتعلق بكركوك خلال اعداد الدستور،
عندما رفضوا فقرات تتعلق بكركوك وعروبة ووحدة العراق وخلال فترة الاستراحة وتوجههم الى مطعم في الكرادة للغداء جاءت سيارة ورشتهم بالرصاص في 19 تموز 2005 هم اساتذة في القانون :
1 الدكتور مجبل الشيخ عيسى.
2 والدكتور ضامن حسين عليوي.
3 والدكتور عزيز إبراهيم.
من مسلحين أطلقوا النار في وضح النهار وعلنا على هؤلاء وقتلوا جميعا في السيارة. لم يتحدث أحد عن هوية القتلة وهم أكثر وضوحاً من هوية القتلى.
2: استهدف تفجير انتحاري مطعم “عبد الله” شمال كركوك في 11كانون الاول 2008، بعد اجتماع لشيوخ العشائر العربية مع جلال الطالباني حول كركوك. أسفر الهجوم الدامي عن مقتل 55 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 120 آخرين، ووقع تزامناً مع اليوم الأخير من عطلة عيد الأضحى. عرض أقل