رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : التوقيع الأخير لجيل الغروب

ــــــــــ رعاة جبال الكاربات في رومانيا، أحدثوا فيّ إنطباعاً أكبر بكثير من الأساتذة الألمان المشاكسين والمثقفين الباريسيين المراوغين. * أميل سيوران، روائي ومفكر روماني.
لا زلت أتذكر كما اليوم عندما رمى بي الراعي ثجيل الى النهر وأنا دون الخامسة،
وعندما كدت أختنق هرع لانقاذي وكان يكرر ذلك. كان يقول:
” عندما تجد نفسك وحيداً يوماً لا تطلب النجدة من أحد”.
عاش وحيداً في البراري وكانت زوجته فاطمة تجلب له الطعام وعندما شعر ثجيل بدنو الأجل قرر الموت في البرية، في الدغل وأبلغ زوجته بذلك وطلب ألا تبوح لأحد أبدا.
خرج في المساء الى البرية كما لو أنه ذاهب الى موعد وهو فعلاً موعد مع الموت. تروي لي فاطمة العجوز عن ذلك المساء الحزين:
أي عظمة هذه أن تغتسل وتتزين وترتدي أفضل ملابسك وتذهب الى الموت كما لو الى حفل دون استعراض أو مشهدية.
كان ميلان كونديرا قد أشاد بالموت بلا مشهدية للروائي فيردناند سيلين الذي حاربه الجميع بتهم معاداة السامية مع ان روايته” رحلة الى أقاصي الليل” أحدثت ثورة في اللغة الفرنسية بلا تقعر ولا ثقل وحذلقة بل بساطة وعفوية وانسيابية مدهشة وتلك هي شخصية سيلين نفسه. في رواياته، الموت ليس بطولياً ولا يحاط بهالة من المجد. في جبهات القتال في الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها سيلين وأصيب: يظهر الموت كحدث مجاني، مفاجئ، وتافه. الجنود يموتون في الطين والظلام “بلا شهود” يعبأون بهم، مجرد أرقام. كطبيب للفقراء عاش معاناة الفقراء للموت في الغرف القذرة والضواحي.
في ” كائن لا تحتمل خفته” يفكك كونديرا كيف تحول الموت من حدث مأساوي الى حدث مبتذل تحت الهوس الصوري بحيث كل شيء يتحول الى استعراض لكي يكون قيماً. يهزأ كونديرا من محاولات تحويل الموت الى مشهدية واستعراض وخطابات وموسيقى لان الموت الحقيقي خلف الستار ووراء الكاميرا.
حيلة سيلين لمواجهة هذا الموت الطائش هو اللغة لذلك اخترع لغة خاصة به تأثر بها البير كامو وسارتر وسيمون دي بوفوار ومع ذلك كان هؤلاء الثلاثة أكثر من كتب عنه حرقاً وتشنيعا بسبب مواقفه السياسية. المفارقة ان سيلين مات بلا شهود وحيداً في ضواحي باريس عدا زوجته لوسيت التي أخفت الخبر عدة أيام لكي لا تتعرض الجنازة للاهانة ثم بعد يومين دفن سراً في مقاطعة صغيرة بعدد لا يتجاوز اصابع اليد من المشيعين. مات بلا مشهدية. اليوم تحتفل فرنسا بالذكرى المئوية لولادة سيلين الذي أعيد له الاعتبار.
هو الموت الذي اختاره ماركس عندما طلب ان يخرج الجميع من الغرفة وكذلك صموئيل بيكت لكي يواجه الموت بلا شهود حفاظا على الكرامة وليس كما اليوم التقاط صور للمحتضرين ونشرها.
ثجيل رجل أمي . عاش الحياة بلا فلسفة ومات كما تموت الاشجار ونباتات البراري بلا حضور ولا احتفال.
في رواية ثلوج كليمنجارو لـــ أرنست همنغواي ، يصاب هاري بجرح خبيث خلال رحلة في السهل الأفريقي ويتحول الجرح الى غرغرينا وعندما تحاول صديقته مساعدته في طلب النجدة يرفض ويفضل أن يتذكر ماضيه،
ومن قمة الجبل وهو على سرير القش يرى السهل الابيض وشمس النهار
والطيور الصاخبة وكل ضجة الحياة، وعلى مقربة منه جثة فهد متفسخ.
في الدغل والليالي ظل ثجيل منتظراً، كان ينزف في ظلام الليل دمه ومن تصل روحه الوريده،
يعض على شفته وما يصيح مثل نيزك مشتعل في الليل، إنه أيوب وحيداً في عزلة الصحراء.
تاتي زوجته كل صباح لتعرف الحال لكنها تجده حياً، شكى لها من الانتظار وطلبت هي مساعدته في إخبارنا كأقارب له، رفض رفضاً قاطعاً.
يخجل ثجيل أن يراه أحد ضعيفاً ولو في مواجهة موت، وفي كل مرة تأتي تجده ينهار، وعندما أفكر كل مرة كيف كان يقضي الليل في الانتظار، هل فكر بحياته كهاري فوق جبل كليمنجارو بماضيه؟ أجد نفسي أمام ملحمة خالدة وخيال عميق.
بكل يقين اقول إننا كنا في زمن سيقال عنه يوماً:
” زمن ثجيل” وفي كل مرة تقول لي إبنتي قبل النوم: ” بابا، أريد حكاية من زمن ثجيل” أشعر بغصة لأن حكايته حكاية زمن وعالم لم يعد موجوداً ومن دون ادنى شك ان احدا لا يتذكره اليوم غيري.
كان ذلك الجيل يطهر في كل خطوة تراب الارض. يوم كنا نعبر النهر مع القطعان الى شبه جزيرة” ربيضة” كانوا يسجدون للأرض في صلاة خاشعة للغابة الكثيفة من الربيع حتى أواخر الصيف. كانوا يعتذرون لها من التدنيس.
هاري كان يهدئ الألم بالشراب البراندي أو الويسكي لكن ثجيل قرر مواجهته بكامل صحوه، هو ذهب اليه وليس كهاري عثر عليه صدفةً.
هو الفارق بين ثقافة هاري وطبيعة ثجيل،
بل الفارق بين الثقافة والطبيعة وثجيل منغرز في الطبيعة وهو جزء منها،
ولا يحتاج براندي لمواجهة مصيره، بل يذهب اليه بنفسه وينتظره في الدغل المعتم وينادية أن يأتي وكلما تأخر شعر بالسأم.
هذا الصنف من الرجال ولد لكي يواجه الأقدار الكبرى، أن يحدق في مصيره بعينين مفتوحتين في الظلام،
ولا يمكن قياس هذا الصنف بمعايير أخرى لرجال يغرقون في بركة ماء.
مات ثجيل في إحدى الليالي، كانت ليلة ماطرة وعاصفة لكنه لم يمت في داخلي أبداً وعندما كتبت ” الأعزل” سيرة ذاتية روائية حضر ثجيل بالاسم والموقف والحادث،
واستعملت اسمه في صحف المعارضة السابقة وكتبت الرسائل
للعراق باسم ثجيل وصار معروفا لدى اصدقاء،
كان التجسيد الحقيقي للانسان الطبيعي قبل ولادة المخلوقات الصناعية، لم يتحدث عن العظمة بل عاشها ولا عن الشرف لانه دمه ولم يعرف الخيانة لأن الطبيعة لا تخون.
لم يرتبط بأحزاب تحركه وتصنع مشاعره بل بالارض والتراب والغيوم والأمطار والأشجار والنجوم وكان يشبه أي طائر أو شاطئ أو شروق شمس فوق النهر .
حتى اليوم عندما أغطس في المسبح العمومي المغطى هنا، أسمع صوته قوياً:
” عندما تجد نفسك وحيداً لا تطلب النجدة من أحد”. ولم يحدث يوماً ان طلبت النجدة من أحد.
لم يكن ثجيل وحيداً يوماً، كان مزدحماً بالصفاء والبراءة والشجاعة،
كان مكتملاً بنفسه. بعد سنوات من موته جاء زمن الحروب والدكتاتورية والعراقي المحارِب والمحاصَر والأسير والهارب والمنفى والقتيل حتى وصلنا اليوم الى العراقي الذئب،
وبذلك يكون جيل ثجيل هو التوقيع الأخير لزمن كانت الطبيعة فيه الجسد الثاني وصورة اخرى للذات، قبل انفصال مخلوقات اليوم عن ذاتها وعن الحياة. كان التجسيد الحقيقي لجيل منقرض وعلى مرحلة لن تتكرر.
تلك الوحدة الباردة في الظلام والدغل والمطر لا يتحملها غير آله مكتمل أو وحش غير مدرك بتعبير نيتشة. لم يكن ثجيل هذا أو ذاك: كان إنساناً حقق ذاك التناسق المذهل مع ذاته بلا مرايا ولا أقنعة وتكلم مع نفسه ومع غيره باللغة البدائية الاولى. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى