عمرو صابح يكتب :قصة بيع نازلي لعقدها وتاجها الملكي.. من مزاد سوثبي إلى سرقة العقد في فيينا

في التاريخ، هناك أشياء لا تنتهي قصتها بموت أصحابها.
تبقى المجوهرات، والقصور، والوثائق، والصور، شاهدة على أصحابها بعد أن يرحلوا.
وعقد الملكة نازلي واحد من هذه الأشياء.
عقد صنعته دار فان كليف أند آربلز عام 1939، من البلاتين ومرصع بـ673 ماسة يبلغ وزنها الإجمالي نحو 200 قيراط، وارتبط بواحدة من أهم المناسبات في تاريخ الأسرة الملكية المصرية؛ زفاف الأميرة فوزية، ابنة الملك فؤاد والملكة نازلي، على ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي، الذي أصبح لاحقًا شاه إيران.
لكن قصة العقد لم تكن قصة مجوهرات فقط.
فهذا العقد شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ الأسرة المالكة؛ من قصور القاهرة إلى المنفى الأمريكي، ومن حياة الترف الملكي إلى بيع المجوهرات في المزادات.
والأغرب أن العقد الذي خرج من يد نازلي مقابل 140 ألف دولار عام 1975، عاد بعد نحو أربعين عامًا ليُقدَّر بملايين الدولارات، ثم بيع بنحو 4.282 مليون دولار، قبل أن ينتهي به الأمر مسروقًا في فيينا عام 2026.
أما قصة صاحبته الأصلية، فهي أكثر اضطرابًا من قصة العقد نفسه.
كانت نازلي زوجة الملك فؤاد الأول وأم الملك فاروق.
وبعد وفاة فؤاد في أبريل 1936، أصبح ابنها فاروق ملكًا لمصر، وأصبحت نازلي ملكة أم.
لكن حياة نازلي الخاصة سرعان ما تحولت إلى أزمة داخل القصر بسبب انفلاتها الأخلاقي ومغامراتها العاطفية.
ارتبط اسمها بأحمد حسنين باشا، أحد أبرز رجال البلاط الملكي وأكثرهم نفوذًا. وكان حسنين دبلوماسيًا ومستكشفًا ورحالة، ثم أصبح رئيسًا للديوان الملكي.
تحولت العلاقة بين نازلي وحسنين إلى علاقة عاطفية أثارت جدلًا واسعًا داخل الأسرة المالكة، وكان الملك فاروق شديد الحساسية تجاه ما اعتبره مساسًا بهيبة القصر وصورته.
وفي 19 فبراير 1946، انتهت حياة أحمد حسنين بصورة مأساوية، عندما لقي مصرعه في حادث سيارة على كوبري قصر النيل بالقاهرة، بعدما اصطدمت سيارته بمركبة عسكرية بريطانية.
لكن موت حسنين لم يضع حدًا لأزمات نازلي.
بعد سنوات، جاءت قضية ابنتها فتحية لتصبح واحدة من أخطر الأزمات التي واجهت الأسرة المالكة.
كان رياض غالي موظفًا في السلك الدبلوماسي المصري، وعمل سكرتيرًا للملكة نازلي بين عامي 1947 و1950.
ثم نشأت علاقة عاطفية بينه وبين الأميرة فتحية، أصغر بنات الملك فؤاد والملكة نازلي، شجعت نازلي ابنتها فتحية على الارتباط برياض غالي.
فتحية كانت أميرة من أسرة محمد علي، بينما كان رياض غالي رجلًا من خارج الأسرة المالكة وينتمي إلى أسرة مسيحية.
وفي عام 1950 تزوجت فتحية من رياض غالي في سان فرانسيسكو.
وتشير المصادر الصحفية الأمريكية إلى أن الزواج تم على مرحلتين؛ زواج مدني في أبريل 1950، ثم مراسم زواج إسلامية في مايو من العام نفسه.
لكن الملك فاروق عارض الزواج بشدة.
وبالنسبة إليه، لم تكن المسألة مجرد زواج عائلي، وإنما أزمة تمس الأسرة المالكة ومكانتها.
وقفت نازلي إلى جانب ابنتها.
وكانت النتيجة قاسية.
جُردت نازلي وفتحية من ألقابهما وامتيازاتهما الملكية، وانتهت بهما الرحلة إلى الولايات المتحدة.
وهناك حدث تحول آخر أكثر إثارة للجدل في حياة الأم وابنتها.
اعتنقت نازلي وفتحية الكاثوليكية.
وتذكر المصادر أن نازلي عُمّدت باسم ماري إليزابيث (Mary Elizabeth)، بينما عُرفت ابنتها فتحية بعد اعتناقها الكاثوليكية باسم ماري (Mary).
وهكذا، المرأة التي كانت ملكة مصر المسلمة وأم ملك مصر، أصبحت في سنواتها الأخيرة امرأة كاثوليكية تعيش في الولايات المتحدة بعيدًا عن القصر الذي كانت يومًا واحدة من أهم سيداته.
كان ذلك هو المنفى.
لكن المنفى لم يكن مجرد ابتعاد عن مصر.
كان أيضًا بداية استنزاف للثروة التي نهبتها أسرة محمد علي من الشعب المصري.
كانت نازلي قد عاشت سنوات طويلة في مستوى من الثراء والترف لا يعرفه إلا القليلون. قصور، مجوهرات، ملابس، خدم، سيارات، ومظاهر حياة ملكية كاملة.
لكن كل ذلك تغير.
في الولايات المتحدة تمكنت نازلي وفتحية في البداية من الحفاظ على مستوى معيشي مرتفع نسبيًا، واشترت نازلي في بيفرلي هيلز منزلًا عام 1955.
ومع مرور السنوات بدأت الأوضاع المالية تتراجع.
وهنا بدأت المجوهرات الملكية تؤدي وظيفة جديدة.
لم تعد مجرد رموز للهيبة.
أصبحت مصدرًا للسيولة.
وكان عقد نازلي أحد أهم ما تبقى من تلك الثروة.
يوم تحولت مجوهرات الملكة إلى أموال
في عام 1975، كانت نازلي قد وصلت إلى مرحلة مختلفة تمامًا من حياتها.
المرأة التي ارتدت المجوهرات داخل القصر الملكي، أصبحت تبيعها في المزادات.
أرسلت مجموعة من مجوهراتها إلى سوثبي في نيويورك.
وكان بين هذه المجموعة عقد فان كليف أند آربلز الشهير وتاج مطابق له.
العقد لم يكن قطعة عادية.
كان عقدًا ملكيًا صنع عام 1939، وارتبط باسم نازلي وبزفاف ابنتها فوزية.
ومع ذلك، لم يعد هناك قصر ملكي يحميه، ولا خزينة ملكية تحتفظ به.
دخل العقد إلى المزاد.
وفي 20 نوفمبر 1975، بيع العقد مقابل 140 ألف دولار.
أما التاج المطابق، فبيع مقابل 127,500 دولار.
أي أن العقد والتاج معًا حصلا على نحو 267,500 دولار في ذلك المزاد.
وهنا تظهر واحدة من أقسى مفارقات القصة.
قطعة صنعت لملكة مصر، وقطعة أخرى صنعت لتكون تاجًا ملكيًا، خرجتا من عالم القصور إلى عالم المزادات.
كان بيع العقد والتاج رمزًا واضحًا لانهيار حياة نازلي المالية بسبب انحلالها واسرافها.
فالمجوهرات التي كانت يومًا جزءًا من صورة القوة والثروة أصبحت أصولًا يمكن بيعها وتحويلها إلى أموال.
ولم يكن الأمر مجرد بيع قطعة أو قطعتين.
فقد اضطرت نازلي خلال سنوات المنفى إلى التصرف في جانب من مجوهراتها وممتلكاتها مع تراجع مواردها المالية.
ثم اختفى العقد عن الأنظار.
مرّت عقود.
وتغيرت الأسواق.
وتغيرت قيمة المجوهرات الملكية.
لكن اسم نازلي ظل مرتبطًا بالعقد.
140 ألف دولار تصبح أكثر من 4.2 مليون
في ديسمبر 2015، عاد العقد إلى الظهور في مزاد سوثبي بنيويورك.
هذه المرة لم يعد الحديث عن 140 ألف دولار.
قدرت سوثبي قيمة العقد بما بين 3.6 و4.6 مليون دولار.
ثم بيع بالفعل بنحو 4.282 مليون دولار.
أي أن القطعة التي بيعت في 1975 مقابل 140 ألف دولار أصبحت بعد نحو أربعين عامًا تساوي أكثر من أربعة ملايين دولار.
والأكثر إثارة أن المشتري كان دار فان كليف أند آربلز نفسها، وهي الدار التي صنعت العقد أصلًا عام 1939.
وهكذا عادت قطعة المجوهرات إلى الجهة التي صنعتها بعد رحلة طويلة بدأت من القصر الملكي المصري، ومرت بالمنفى الأمريكي، ثم بمزاد سوثبي عام 1975، قبل أن تعود إلى المزاد عام 2015 بقيمة هائلة.
الفارق في السعر وحده يحكي قصة كاملة.
140 ألف دولار عام 1975.
4.282 مليون دولار عام 2015.
لكن قصة نازلي نفسها كانت تقترب من نهايتها.
المأساة الأخيرة
انتهى زواج فتحية من رياض غالي بالطلاق عام 1973، بعد سنوات من الخلافات والمشكلات.
ثم جاءت النهاية المأساوية.
في 10 ديسمبر 1976، قُتلت الأميرة فتحية في لوس أنجلوس برصاص زوجها السابق رياض غالي، الذي حاول بعد ذلك الانتحار لكنه نجا.
دُفنت فتحية في مقبرة هولي كروس في كولفر سيتي.
أما نازلي فقد عاشت بعد مقتل ابنتها نحو عام ونصف، حتى توفيت في لوس أنجلوس في 29 مايو 1978 عن عمر 83 عامًا، ودُفنت إلى جوار ابنتها.
وهكذا انتهت حياة الملكة السابقة بعيدًا عن مصر.
لكن العقد ظل حيًا.
ظل ينتقل بين الأيدي، وتتغير قيمته، ويتغير مالكوه، حتى أصبح قطعة تاريخية أكثر من كونه مجرد جوهرة.
ثم جاءت المفارقة الأخيرة.
من نيويورك إلى فيينا.. ثم السرقة
في عام 2026 ظهر العقد في فيينا ضمن معرض للمجوهرات في متحف الفنون التطبيقية في فيينا (MAK)، في معرض مخصص لقطع فان كليف أند آربلز.
كان المعرض يضم نحو 500 قطعة، بينها أكثر من 300 قطعة من مجموعة الدار الفرنسية.
وفي نحو الساعة الثانية ظهرًا يوم الخميس 27 أغسطس 2026، دخل رجلان إلى المتحف بعد شراء تذاكر الدخول.
ثم حطما واجهة العرض الزجاجية باستخدام مطرقة.
استوليا على العقد.
وفرّا من المكان.
وقالت الشرطة النمساوية إن الرجلين لم يكونا ملثمين، وإن كاميرات المراقبة التقطت صورًا واضحة لهما، بينما لم يُصب أي شخص بأذى في عملية السرقة.
وأُغلق المعرض وبدأت الشرطة البحث عن السارقين.
وهكذا، بعد أكثر من ثمانية عقود على صناعة العقد، أصبحت هذه القطعة الملكية المصرية مطاردة من الشرطة النمساوية.
قد تتغير قيمة الذهب والماس.
وقد يسقط الملوك.
وقد تنتهي حياة القصور.
لكن بعض الأشياء تظل تحمل ذاكرة أصحابها.
وعقد نازلي واحد منها.