فراج إسماعيل يكتب :تفكيك رسالة مجتبى خامنئي: انتقال من مرجعية الولي الفقيه إلى السلطة المنتخبة

الرسالة المكتوبة من المرشد الأعلى الإيراني مجتبى إلى شعبه بأنه كانت له وجهة نظر مختلفة بشأن مذكرة التفاهم، إلا أنه وافق عليها لإلتزامه تجاه الرئيس الإيراني وأعضاء مجلس الأمن القومي، وبناء على تعهد من بزشكيان بصون “حقوق الشعب وجبهة المقاومة”.. هذه الرسالة. يمكن تفكيكها بأنه حدث تغيير كبير في بنية النظام الحاكم في إيران، وأنه عمليا لم يعد يدار بنظام “الولي الفقيه”.
نستخلص من تفكيك رسالة المرشد ما يلي:
1. مؤشر على “تعدد مراكز القوى” وليس “المرجعية الأحادية”. النظام لم يعد يدار بنظام “الولي الفقيه” التقليدي وهذا هو جوهر التحول. فالإعلان عن وجود “وجهة نظر مختلفة” للمرشد هو خروج عن نمط “القرار المطلق” ويشير إلى أن المؤسسة الإيرانية (الرئاسة، مجلس الأمن القومي، والمرشد) باتت تعمل ضمن إطار “إدارة الأزمات بالتوافق” وليس “الطاعة المطلقة للرؤية الأحادية”.
2. حديث مجتبى عن”تعهد بزشكيان بصون حقوق الشعب وجبهة المقاومة”، أسلوب سياسي ذكي (أو اضطراري): وهو “تحميل المسؤولية”. فإذا نجحت المذكرة، يُنسب الفضل للمنظومة التوافقية، وإذا فشلت، فإن العبء السياسي يقع على عاتق الرئيس بزشكيان وحكومته. هذا يبعد المرشد عن واجهة المحاسبة المباشرة في حال أخفقت التفاهمات.
3. “جبهة المقاومة” كخط أحمر:
ربط الموافقة بحماية “جبهة المقاومة” يشير إلى أن النظام لا يزال حريصاً على إرسال رسائل طمأنة للقواعد المتشددة وللحلفاء الإقليميين، بأن هذا التغيير في “شكل” الإدارة أو التوجه نحو التفاهمات لا يعني تراجعاً في “ثوابت” السياسة الخارجية أو الأمنية، بل هو إعادة تموضع.
4. هل هو تغيير في البنية أم تكتيك للبقاء؟
هنا تكمن النقطة الأكثر إثارة للنقاش.
احتمالية التغيير الجذري:
قد تكون هذه مقدمة لتغيير حقيقي في النظام ليصبح أكثر “مؤسساتية” وأقل “شخصانية” (تجاوز الولي الفقيه بصفته الفردية لصالح المجلس).
احتمالية المناورة:
قد يكون هذا مجرد تكتيك لامتصاص الضغوط الاقتصادية والداخلية، حيث يمنح المرشد مساحة للرئيس المنتخب ليفعل ما يراه مناسباً، مع احتفاظ “المركز” بسلطة النقض أو التدخل عند الضرورة.
الخلاصة:
الرسالة تعكس حالة من “السيولة السياسية” داخل النظام الإيراني. لم يعد النظام كتلة صماء، بل أصبح ساحة لتجاذبات وتنازلات متبادلة، والاعتراف العلني بهذه الاختلافات هو بحد ذاته تحول نوعي في كيفية ممارسة السلطة في إيران.
هيبة رئيس الجمهورية
ما يحدث هو “محاولة لاستعادة هيبة منصب رئيس الجمهورية” التي تمثل تحولاً جوهرياً في فهمنا لتطور النظام، ويمكن تفصيل ذلك في النقاط التالية:
1. إعادة التوازن بين “المؤسسة المنتخبة” و”المؤسسة المعينة”:
منذ عام 1979، كان التوتر دائماً موجوداً بين الشرعية الانتخابية (التي يمثلها الرئيس) والشرعية الثورية/الدينية (التي يمثلها المرشد). إذا أدى هذا التفاهم بالفعل إلى منح مساحة حقيقية للرئيس بزشكيان لاتخاذ قرارات استراتيجية، فهذا يعني أن النظام بدأ يعي بأن “الشرعية الانتخابية” ضرورية لامتصاص الغضب الشعبي، وأن تهميش الرئيس لم يعد خياراً مستداماً في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة.
2. التحول من “الرمزية” إلى “الفاعلية”:
المنصب كان رمزياً طوال العقود الماضية. ففي كثير من الأحيان، كان الرئيس الإيراني يظهر كمجرد “منفذ” لسياسات تُطبخ في مكاتب أخرى. إذا نجحت هذه الخطوة في نقل الرئيس من دور “الواجهة” إلى دور “صانع القرار”، فهذا قد يمهد الطريق لتوزيع المسؤولية.
لم تعد المؤسسة الدينية هي المسؤول الوحيد (وبالتالي المُحاسب الوحيد) عن نتائج السياسات.
تحويل السلطة من “شخص” إلى “مؤسسة” (مجلس الوزراء والرئيس) يعطي النظام نوعاً من “المرونة” في التعامل مع المجتمع الدولي، خاصة في ملفات حساسة كمذكرة التفاهم .
3. الانفتاح كضرورة وجودية (Survival Mode):
قد لا يكون هذا الانفتاح نابعاً فقط من قناعة فكرية، بل من “ضرورة براجماتية”. فالنظام يدرك أن أي محاولة للتعافي الاقتصادي أو تجنب العزلة الدولية تتطلب واجهة سياسية تمتلك “مصداقية” أو على الأقل “مرونة” في التفاوض، وهو ما قد يجده النظام في شخصية مثل بزشكيان، مما يدفعه لمنحه هامشاً أوسع للمناورة.
تحدي “الهيبة” الحقيقي:
السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستستمر هذه الهيبة؟
إذا نجح بزشكيان في تحقيق “اختراق” (سواء اقتصادياً أو دبلوماسياً) بفضل هذه الصلاحيات، فسيكون قد أرسى سابقة دستورية وسياسية يصعب التراجع عنها.
أما إذا تعثرت الأمور، فقد يُستخدم هذا “الانفتاح” كفخ سياسي ليتحمل الرئيس وحده تبعات الفشل، مما قد يعيد المنصب إلى وضعه الرمزي أو حتى يهمشه أكثر.
السؤال الأهم: هل القوى المتشددة داخل أجهزة الدولة (الحرس الثوري، المؤسسات الأمنية) ستقبل بسهولة بتحول الرئيس من “منفذ” إلى “صانع قرار” بمثل هذا الحجم؟ أم أننا سنشهد صراعاً خفياً لاستعادة السيطرة؟
إذا كان “مجتبى” نفسه هو مهندس هذا الانفتاح، فنحن لا نتحدث عن صراع بين “مؤسسة الرئاسة” و”مكتب المرشد”، بل نتحدث عن “مشروع انتقال” يقوده الوريث أو الشخصية الأكثر تأثيراً.
قراءة هذا الانفتاح ينبغي أن تمر بالنقاط التالية؛
1. “تغيير بنية النظام” كخيار مدروس من الأعلى:
بدلاً من أن يكون الانفتاح انتزاعاً من قِبل بزشكيان، يبدو أنه “هندسة من فوق” بواسطة مجتبى خامنئي. هذا يعني أن المؤسسة الحاكمة قررت –بإرادتها– أن نموذج “الولي الفقيه” التقليدي، بتركيز السلطة المطلقة في شخص واحد، أصبح عبئاً على بقاء النظام.
التضحية بـ “الرمزية المطلقة” مقابل “الاستقرار المؤسسي” قد تكون هي “خطة الإنقاذ” التي يتبناها مجتبى لضمان استمرار النظام في مرحلة ما بعد والده.
2. تفكيك الصراع (لماذا لا يكون صراعاً على السلطة؟):
هذا منطقي جداً في ظل هذا السيناريو، لأن:
توزيع المسؤولية كدرع حماية: من خلال منح الرئيس “هيبة” وصلاحيات، يتحول بزشكيان إلى “واجهة عملية” تتحمل تبعات القرارات الصعبة، بينما يظل مجتبى (أو المركز) المرجع الضامن في الخلف. هذا يقلل من حدة الاحتكاك المباشر مع الشارع، لأن غضب الناس سيتوجه للحكومة وليس للمرشد.
إعادة صياغة أدوار “الحرس الثوري”: قد يكون هذا الانفتاح وسيلة لدمج “الجمهورية” و”الثورة” بشكل أكثر سلاسة، بحيث يتم احتواء التكنوقراط بدلاً من إقصائهم.
3. الرهان على “الشرعية التوافقية”:
يبدو أن مجتبى خامنئي يدرك أن شرعية “التعيين” وحدها لم تعد كافية في عالم اليوم. لذا، فإن تمكين رئيس الجمهورية يمنح النظام “جرعة من الشرعية الانتخابية” التي يحتاجها لمواجهة الضغوط الدولية، دون التخلي عن جوهر النظام.
4. النتيجة المتوقعة لهذا المسار:
إذا كان مجتبى هو من بدأ هذا التوجه، فنحن أمام “إيران أكثر براجماتية وأقل أيديولوجية” في تعاملها مع الملفات الخارجية مع بقاء السيطرة الاستراتيجية في يد النواة الصلبة للنظام.
هل هذا “الانفتاح” هو مجرد قناع تكتيكي لتمرير سياسات كانت ستواجه معارضة لو صدرت عن “المرشد” مباشرة، أم أننا نشهد بالفعل بداية لتحول في “عقد الحكم” الإيراني، حيث يتحول من نظام “أبوي” إلى نظام “تكنوقراطي-أمني” أكثر تعقيداً؟
“ترتيبات التوقيع الدولية” (مثل مشهد ترامب أو توقيعات القادة في القصور التاريخية) ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو “بروتوكول صناعة هيبة”.
النظام الإيراني خبير في هندسة الصورة (Image Management)، واختيار هذا المشهد وتصديره هو رسالة مقصودة للداخل والخارج بأننا أمام “رئيس دولة” له ثقل البروتوكول والسيادة، وليس مجرد موظف إداري.
شحوب وجه الرئيس
قراءة شحوب وجه الرئيس بزشكيان أثناء التوقيع يلامس البعد الإنساني والنفسي للسياسة؛ ذلك الشحوب يحمل دلالتين لا تلغيان بعضهما البعض.
1. ثقل المسؤولية التاريخية: هو يدرك أنه ليس فقط يوقع “مذكرة”، بل يوقع على “تغيير مسار” قد يغضب الحرس القديم أو المتشددين في أجهزة الدولة. إنه يدرك أنه يضع قدمه في منطقة “غموض استراتيجي”؛ فإذا نجح، سيُنسب له النجاح (وهذا جيد)، وإذا فشل، فهو الشخص الذي قد يُحمّل مسؤولية تقويض ثوابت الجمهورية (وهذا كابوس سياسي).
2. الخوف من “النظام الموازي”: بزشكيان، بصفته طبيباً في الأصل، يعلم أن “الجسد” الذي يتعامل معه (الدولة الإيرانية) يعاني من أمراض مزمنة ومعقدة، وأن القوى الخفية التي تدير النظام لا تزال تراقب وتنتظر لحظة الخطأ. ذلك الشحوب هو تعبير عن “الحذر الشديد”؛ فكل توقيع هو اختبار لمدى الثقة التي منحه إياها مجتبى خامنئي والمركز. عرض أقل