
كتب:هاني الكنيسي
الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان يتقدم بثبات إلى واجهة المشهد السياسي والاقتصادي في دولة الإمارات التي تبدو وكأنها “تعيد ترتيب بيت الحكم والاقتصاد استعداداً لمرحلة جديدة”. هذا هو فحوى مقال ‘فاينانشال تايمز’ المنشور اليوم، تحت عنوان “الأمير الإماراتي الذي يستعد لتولي السلطة” The Emirati prince preparing for power ، والذي يرسم صورة واضحة لأميرٍ شاب أصبح، وفق توصيفها، “قوة صاعدة في إبرام الصفقات والدبلوماسية العالمية”.
الشيخ خالد، البالغ من العمر 44 عاماً، هو الابن الأكبر بين تسعة أولاد وبنات لرئيس الإمارات من زوجته الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان، ويشغل منذ 29 مارس 2023 منصب ولي عهد إمارة أبوظبي ورئاسة المجلس التنفيذي، ما يجعله الوريث “الشرعي” في معادلة الحكم داخل الإمارة والدولة.
وقد حصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة ولاية أريزونا عام 2004، ثم الماجستير من كلية الشؤون الدولية بجامعة ‘جورجتاون’ عام 2007، قبل أن ينال الدكتوراه من قسم دراسات الحرب في ‘كينغز كوليدج’ بلندن عام 2014. كما تخرج في أكاديمية ‘ساندهيرست’ العسكرية الملكية في بريطانيا، وخدم في مسار مهني ببلاده جمع بين التأهيل الأمني والعلمي.
إذ تدرج الشيخ خالد -الشغوف برياضة ‘الجيوجيتسو’ إحدى الفنون القتالية اليابانية- في مناصب أمنية وتنفيذية عليا بالإمارات، فعُيّن رئيساً لجهاز أمن الدولة بدرجة وزير عام 2016، ثم نائباً لمستشار الأمن الوطني في يناير 2017، قبل أن يصبح عضواً في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي عام 2019 ورئيساً لمكتب أبوظبي التنفيذي، فضلا عن عضويته في مجلس إدارة شركة النفط الوطنية ‘أدنوك’. لكن التطور الأبرز جاء مطلع عام 2026، حين أُسندت إليه رئاسة ‘أبوظبي التنموية القابضة’ ADQ، وهي إحدى أكبر أدوات الاستثمار السيادي في الدولة بقيمة تقارب 263 مليار دولار، وتشرف على أصول استراتيجية تشمل ‘الاتحاد للطيران’ وشركة ‘الطاقة النووية’ في أبوظبي، ما عزز صورته كرجل دولة يمسك بمفاصل الثروة والتنمية في آن واحد.
ووفقا لتقرير الصحيفة البريطانية المرموقة، فإن تعيين الشيخ خالد على رأس ‘أبوظبي القابضة’ كان أقرب إلى “إعادة هندسة دقيقة لموازين القوة داخل الأسرة الحاكمة، إذ جاء على حساب جزء من الشبكة الواسعة التي يديرها الشيخ طحنون بن زايد، نائب حاكم إمارة أبوظبي ومستشار الأمن الوطني لدولة الإمارات الذي يُعد أحد أكثر الشخصيات نفوذاً، كونه يدمج بين يديه أعلى سلطة أمنية واستخباراتية في البلاد، وإدارة أضخم إمبراطورية اقتصادية واستثمارية مدعومة بأصول تُقدر بأكثر من 1.3 تريليون دولار، فضلا عن قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي “الاستراتيجي”. وبهذا، “تحركت السلطة الاقتصادية في اتجاه أكثر تمركزاً حول ولي العهد، بما يعكس انتقالاً جيلّياً محسوباً داخل دوائر القرار الإماراتية”، حسب توصيف ‘فاينانشال تايمز’.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يتجاوز رمزيات الوراثة السياسية إلى بناء أداة حكم عملية؛ إذ تضع ADQ الشيخ خالد في قلب الملفات التي تمس الاقتصاد الحقيقي، من النقل والطاقة والبنية التحتية إلى الاستثمار الخارجي والتوسع الصناعي. كما أن ربط هذه المنظومة بمؤسسة جديدة مثل “L’IMAD” يعكس رغبة واضحة في تجميع الأصول وتوحيد القيادة الاستثمارية تحت مظلة ولي العهد، بما يرسخ حضوره كـمحور رئيس في إعادة تشكيل الثروة السيادية.
على المستوى الداخلي، يبدو الشيخ خالد حاضراً في الملفات التنفيذية الحساسة، من إدارة الطاقة والنفط إلى الجاهزية الطبية والأمن المائي واللوجستي في العاصمة أبوظبي. وهي “رسائل” تشي بانتقاله رسميًا من الأدوار الشرفية والبروتوكولية إلى دور “الرئيس التنفيذي” الفعلي للإمارة، أي القائد الذي ينسق بين الثروة والسياسة والخدمات العامة ويشرف على سير العمل اليومي في أركان الدولة.
وبموازاة صعوده الإداري ونفوذه الاقتصادي، ترسخت مكانة الشيخ خالد “الخارجية” بوصفه واجهة دبلوماسية نشطة للإمارات على الساحة الدولية. ولعل زيارته الرسمية الأخيرة -في أبريل الماضي- إلى بكين حيث عقد سلسلة لقاءات مع الرئيس الصيني ‘شي جينبنغ’ ورئيس وزرائه، أثمرت عن توقيع عشرات الاتفاقات الثنائية وتوسيع الاستثمار بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والتجارة غير النفطية (بصفقات تتجاوز 111 مليار دولار)، كانت خير دليل على “موقع” ولي العهد في المشهد العام. كما سلّط تقرير حديث لوكالة ‘بلومبرغ’ الضوء على علاقاته “المباشرة مع واشنطن”، والتي شملت لقاءات مع إدارة ترمب لبلورة استثمارات بمليارات الدولارات “تخدم دور أبوظبي كحلقة وصل وتنسيق بين الأنظمة الاقتصادية العالمية”. وبالتزامن، كان لافتًا جولات الشيخ خالد الدبلوماسية المكثفة بين الهند وجنوب إفريقيا والشرق الأقصى، وحتى أمريكا اللاتينية.
وفي خلفية كل ذلك، تتردد “تساؤلات” حول صحة الشيخ محمد بن زايد الذي روّجت “شائعات” السوشيال ميديا في فترة سابقة لإصابته بمرض عضال بينما ردّت وسائل الإعلام الرسمية عليها بإبراز نشاط الرئيس الإماراتي ولقاءاته وتصريحاته، بما في ذلك ظهوره في مناسبات رسمية، تأكيدا على استمرارية حضوره في المشهد.
ومع ذلك، يرى البعض أن كثافة الظهور الدولي لولي العهد، وتوسيع صلاحياته الاقتصادية والدبلوماسية، منحت التكهنات المتداولة عن “التحضير لمرحلة ما بعد محمد بن زايد” في الإمارات زخمًا سياسياً وإعلاميا لا يمكن تجاهله.