
كتب:هاني الكنيسي
حلقة جديدة في مسلسل اغتيال العلماء الإيرانيين؛ هذه المرة ليست في المجال النووي أو بحق عالم مخضرم، بل باحث واعد في عصب أحدث تقنيات العصر.
إذ كان وصول جثمان رائد الذكاء الاصطناعي الدكتور ‘علي إحسانيان’ إلى طهران هذا الأسبوع، بعد أكثر من ستة أسابيع على وفاته الغامضة في مدينة نيس الفرنسية يوم 28 مارس 2026، (نتيجة التعقيدات التي فرضتها ظروف الحرب)، سببًا في إعادة القصة -القديمة الجديدة- إلى الذاكرة الإيرانية “الحزينة”.
وعلى وقع اتهام طهران لإسرائيل بالوقوف وراء معظم فصول هذا المسلسل الدموي، وصف موقع ‘برس تي في’ Press TV الإخباري (المحسوب على الحرس الثوري) وفاة ‘إحسانيان’ في سياق “حملة ممنهجة تستهدف العقول العلمية الإيرانية”. وقال الموقع في تقريره عن مقتل العالم الإيراني “إن جميع الدلائل تشير إلى تورط الموساد”، مشيراً إلى أن القضية لا تزال “غامضة” في السجلات الفرنسية، وأن الشرطة لم تعلن حتى الآن نتائج نهائية للتحقيق أو تستبعد فرضية القتل العمد.
لم يكن ‘إحسانيان’ شخصية بحثية تقليدية. فالشاب (31 عاماً) الحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة ‘السوربون’ في باريس (تناولت أطروحته “تعلم الآلة لشبكات الاتصالات الافتراضية من الجيل السادس G6”)، ونال منحة ‘ماري سكلودوفسكا-كوري’ الأوروبية المرموقة، جمع بين الخبرة الأكاديمية الرفيعة والعمل في مشاريع ذات طابع أمني وعسكري.
وتشير التقارير الإيرانية إلى أنه خدم بين عامي 2018 و 2020 في مشاريع مرتبطة بوزارة الدفاع، كما عمل مع مؤسسات أمنية وعسكرية خلال فترة خدمته الوطنية.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى طبيعة تخصصاته العلمية. إذ ركزت أبحاثه على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وشبكات الاتصالات اللاسلكية المتقدمة، وهي مجالات يصفها خبراء الأمن بأنها “تقنيات مزدوجة الاستخدام” يمكن توظيفها مدنياً وعسكرياً في آن واحد، وخصوصاً في تطوير أسراب الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وأنظمة القيادة والسيطرة الحديثة.
وتذهب بعض التقارير الإيرانية إلى الإشارة صراحةً لمساهمات ‘إحسانيان’ في تطوير تقنيات مرتبطة بمسيّرات ‘شاهد’ التي تهاجم أهدافها في شكل “أسراب”، والتي باتت أحد أشهر عناصر القوة العسكرية الإيرانية، خصوصًا بعد اعتماد الجيش الروسي عليها في حرب أوكرانيا.
وبينما لا تزال التحقيقات الفرنسية جارية في الحادث، فإن ما يثير التساؤلات أو “الشكوك” -وفق الرواية الإيرانية- ليس فقط غموض ظروف الوفاة، بل أيضاً محدودية المعلومات الصادرة عن السلطات الرسمية. إذ لم تصدر الشرطة الفرنسية -كعادتها في مثل تلك الحوادث- بياناً يوضح أسباب الوفاة “مبدئيًا”، كما لم تعلن النيابة العامة عن توجيه اتهامات أو تحديد مشتبه بهم، فيما غابت التحقيقات الصحفية (الاستقصائية) عن القصة في وسائل الإعلام الفرنسية المعروفة بذلك الاهتمام.
طهران رأت أن الملف يستحق “متابعة دبلوماسية وسياسية خاصة”، فأعلن المتحدث باسم الخارجية ‘إسماعيل بقائي’ الشهر الماضي أن السفارة الإيرانية في باريس تتابع القضية بشكل مباشر مع السلطات الفرنسية.
وفي سياق وصفه وفاة ‘إحسانيان’ بأنها “حادثة مريرة للغاية”، أكد ‘بقائي’ على “واجب إيران في حماية حقوق مواطنيها أينما كانوا في العالم”.
وبخلاف ما تثيره القضية من ريبة بسبب غموض ملابساتها وتوقيتها، يبدو الإطار الأوسع أكثر دلالة. فمنذ ما يقرب من عقدين، يعيش المجتمع العلمي الإيراني، وخصوصاً في تخصصات الذرة والتكنولوجيا المتقدمة، تحت تهديد ما يشبه “حملة اغتيالات منتظمة”، طالت نخبة من أبرز علمائه وباحثيه.
أولى الحلقات البارزة في هذه الدراما الدموية، تعود إلى عام 2007 عندما توفي الفيزيائي المعروف ‘أردشير حسن بور’ في ظروف غامضة. وبعد ذلك بثلاث سنوات، اغتيل أستاذ الفيزياء ‘مسعود علي محمدي’ في تفجير قرب منزله بطهران. وفي العام ذاته، قُتل العالم النووي ‘مجيد شهرياري’ إثر انفجار قنبلة لاصقة زرعت في سيارته، بينما نجا زميله ‘فريدون عباسي’ بأعجوبة من محاولة مشابهة.
وتواصل المسلسل في يوليو 2011 مع اغتيال ‘داريوش رضائي نجاد’ أمام منزله، ثم في يناير 2012 عندما قُتل ‘مصطفى أحمدي روشن’، أحد أبرز الباحثين في منشأة ‘نطنز’ النووية. غير أن العملية الأكثر شهرة وتأثيراً جاءت في نوفمبر 2020 مع اغتيال ‘محسن فخري زاده’، الذي وصفته وسائل إعلام غربية وإسرائيلية بأنه “العقل المدبر” للبرنامج النووي الإيراني، في عملية معقدة قرب طهران تفاخرت الاستخبارات الإسرائيلية بتنفيذها -في تصريحات مسؤوليها مثل رئيس الموساد السابق ‘يوسي كوهين’ الذي روى تفاصيل مثيرة عن العملية في كتاب مذكراته الأحدث بعنوان “سيف الحرية”.
وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت المواجهة من مرحلة الاغتيالات السرية المحدودة إلى عمليات أوسع نطاقاً وأكثر علنية. فأثناء الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، أقرت إسرائيل باستهداف علماء وخبراء مرتبطين بالبرنامج النووي. وبينما تحدثت مصادر إيرانية عن مقتل ستة علماء نوويين على الأقل في الضربات الأولى، أعلنت إسرائيل أن العدد بلغ تسعة، كما ذكرت ‘رويترز’ أن عدد الضحايا من الخبراء النوويين خلال تلك الحملة وصل إلى 14 عالماً.
وضمت قائمة الضحايا أسماء بارزة، مثل ‘فريدون عباسي’ و’محمد مهدي طهرانجي’ و’أحمد رضا ذو الفقاري’ و’سعيد برجي’ و’علي بقائي كريمي’، ممن كانوا يشكلون ما تعتبره إيران العمود الفقري لبنيتها العلمية والعسكرية.
من هنا، تكتسب قضية ‘علي إحسانيان’ أهميةً إضافية، ببساطة لأنه يمثّل جيلاً جديداً من العلماء الذين يقفون عند تقاطع التكنولوجيا المتقدمة مع الأمن القومي، في زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المسيّرات والحرب السيبرانية جزءاً من معادلات الصراع الاستراتيجي.
وإذا كانت الاغتيالات السابقة قد استهدفت في الغالب علماء الذرة والفيزياء النووية، فإن مقتل العالم الشاب ‘إحسانيان’ يوحي بأن الصراع “الخفي” مع إسرائيل انتقل إلى ساحة جديدة تتطلب إعادة نظر في بروتوكولات حماية العقول الإيرانية، خصوصًا من الأجيال الأحدث.
والعبرة هنا لمن يعتبر في هذه المنطقة المنكوبة .. والكلام ليكي يا جارة .. إلى آخر الأمثلة الشعبية “الفصيحة”