تقارير وتحقيقات

من الحداد إلى عودة .. كيف تنهش “حرب الجواسيس” الإسرائيلية قلب المقاومة في غزة؟

كتب:هاني الكنيسي
البيان الذي نشره جهاز “أمن المقاومة” في قطاع غزة، الليلة الماضية، بشأن إعدام “متخابر” مع الاحتلال شارك في اغتيال عز الدين الحداد قائد كتائب القسام (الجناح العسكري لحماس)، يعيد تسليط الضوء على جبهة “حرب الظلال” بين الاستخبارات الإسرائيلية وحركة حماس، والتي لا تقل خطورةً وفتكًا عن مواجهات الآلة العسكرية.
ووفقا للبيان، فإن الجاسوس الفلسطيني الذي أشير إلى اسمه بالأحرف الأولى “م. م”، تسبب أيضاً في سقوط عدد من قيادات المقاومة ومقتل مدنيين في غارات إسرائيلية استندت إلى معلومات نقلها مباشرة إلى أجهزة استخبارات العدو.
ونقل موقع ‘آي نيوز24’ العبري، عن مصادر من داخل غزة، أن العميل اعتُقل عقب اغتيال الحداد بضربة صاروخية في 15 مايو الماضي، واعترف أثناء التحقيق معه بأنه نقل فور وقوع الضربة تفاصيل ما شاهده إلى ضابط ارتباط إسرائيلي للتأكد من نجاح عملية الاغتيال.
“المتخابر” الذي اعتقلته حماس في مسرح الجريمة، اعترف أيضًا بأنه كان يتتبع عائلة الحداد، وخاصةً شقيقه الذي كان يقطن في مركز إيواء نادي الجلاء، والذي زاره عز الدين الحداد قبل لحظات من استهدافه، داخل سيارة كان بها مع زوجته وابنته. وفي التفاصيل -كما تفيد تقارير الإعلام الإسرائيلي- أن الحداد التقى بزوجته وابنته بعد فترة طويلة من الغياب عنهما في أنفاق غزة، وأقلهم من شقة سكنية كانا بها بحي الرمال، قبل أن يذهبوا ثلاثتهم إلى شقيق الحداد، ومن هناك قرروا التوجه إلى ابنته الثانية، إلا أن الطائرات الإسرائيلية استهدفت مركبته بعدة صواريخ.
وبالتزامن، ذكرت “تسريبات” صحفية أن حركة حماس في طريقها أيضًا للكشف عن اعتقال أو “إعدام” عميل آخر متورط في اغتيال محمد عودة (مع زوجته وأطفاله) بعد أقل من عشرة أيام من إعلان خلافته عز الدين الحداد في قيادة كتائب القسام، في غارة إسرائيلية بشمال غزة.
وبخلاف الأهمية “الرمزية” للقصة، فإن أهم ما تكشفه أن نجاح تلك الاغتيالات لم يكن نتيجة “التفوق التقني” الذي تروّج له إسرائيل باستمرار، بل ثمرة تعاون “بشري” داخل القطاع يزعم مسؤولو ‘الشاباك’ (جهاز الاستخبارات الداخلية) أنه وصل إلى “مستوى غير مسبوق” منذ اندلاع حرب الإبادة في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023. فتنقل ‘معاريف’ عن ضابط استخباراتي -لم تكشف اسمه ولا رتبته- أن “تحديد موقع منزل، أو سيارة، أو نفق، أو هاتف محمول، أو حتى تحرك فرد من عائلة أحد المشتبه في انتمائهم للمقاومة، بمعلومة من أحد العناصر على الأرض، بات كفيلاً -وفق التعليمات الجديدة- بتحويله إلى هدف خلال ثوانٍ، عبر منظومات الاستهداف الفوري المرتبطة بالجيش”.
وفي ذلك السياق، تشير تقارير أمنية إسرائيلية “منشورة” إلى أن سلسلة الاغتيالات التي قضت على كبار قادة حماس خلال العامين الماضيين لم تعتمد فقط على وسائل المراقبة الجوية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أو صور الأقمار الصناعية، وإنما “في نسبة كبيرة منها” على معلومات ميدانية وفرها “متعاونون” داخل غزة. ومن بين أبرز هؤلاء القادة محمد الضيف، الذي اغتالته إسرائيل في يوليو 2024، بينما لم تؤكد الحركة مقتله إلا في يناير 2025، ثم “أعدمت 3 جواسيس شاركوا بشكل منفصل في نقل معلومات للضابط المسؤول عن تنفيذ العملية”. وبالطريقة ذاتها، وفقًا لتلك لتقارير، اغتالت إسرائيل كلا من مروان عيسى، ورافع سلامة، وعددا من مسؤولي الوحدات العسكرية والاستخباراتية لحماس.
وتذهب صحيفة Jewish Chronicle البريطانية، إلى أن بعض عمليات الرصد الميداني اعتمدت على “عناصر متخفية في هيئة باعة متجولين أو متسولين أو عاملين مدنيين لعبوا دورًا حاسمًا في تحديد إحداثيات المواقع بدقة (باستخدام هواتف مزوّدة ببرامج تقنية متطورة) قبل تنفيذ الضربات الجوية”.
وفي المقابل، يدير موقع “المجد الأمني” التابع لحماس منذ سنوات، حملات توعية وتحذير من أساليب التجنيد الإسرائيلية، كما أعلن مراراً القبض على “متعاونين” اتهموا بالمشاركة في كشف مواقع إطلاق الصواريخ، أو تحديد منازل قيادات المقاومة، أو تجنيد عملاء جدد لصالح ‘الشاباك’. وفي أكثر من مناسبة، فتحت الحركة ما سمته “باب التوبة”، داعية المتعاونين إلى تسليم أنفسهم قبل اكتشافهم، مقابل وعود بالنظر في أوضاعهم، قبل أن تعود لاحقاً إلى تنفيذ أحكام بالإعدام بحق من تعتبرهم مسؤولين عن عمليات اغتيال كبرى.
لكن حروب “الظلال” نفسها شهدت تحولاً جذرياً مع دخول الفضاء الرقمي (السيبراني) والذكاء الاصطناعي بقوة إلى ميدان التجسس والتجنيد. فبحسب أحدث تقارير ‘المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات’ في هولندا، لم تعد أجهزة الاستخبارات تعتمد على اللقاءات السرية التقليدية بقدر اعتمادها على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لاستقطاب العملاء، وبناء علاقات طويلة الأمد مع أهدافها عبر حسابات وهمية يصعب كشفها.
ويذكر التقرير أن “التجنيد الرقمي” يبدأ غالباً برسائل ودية أو عروض عمل أو فرص سفر أو استثمارات وهمية، ثم ينتقل تدريجياً إلى جمع المعلومات الشخصية، قبل الوصول إلى مراحل “الابتزاز” والطلبات الأمنية المباشرة. كما باتت تطبيقات الهواتف الذكية وأدوات تحديد المواقع والذكاء الاصطناعي تستخدم في تتبع الأهداف وكشف تحركاتها، بل وفي التعرف على الوجوه وتحليل العلاقات الاجتماعية.
ويتقاطع ذلك مع ما كشفه تقرير حديث لموقع Stratfor الأمريكي المتخصص في الدراسات الأمنية، عن أن “شبكات التواصل الاجتماعي تحولت إلى أحد أهم مصادر المعلومات الأولية التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات لرسم الخرائط النفسية والاجتماعية للأشخاص الأكثر قابلية للتجنيد، سواء بسبب أوضاعهم المالية أو مشكلاتهم العائلية أو ميولهم السياسية أو حتى احتياجاتهم الصحية والعاطفية”.
وتشير دراسة بريطانية متخصصة إلى أن أساليب التجنيد الأحدث لم تعد تعتمد فقط على الإغراء المالي، رغم بقائه عاملاً رئيسياً، وإنما تشمل أيضاً الاستغلال العاطفي، والابتزاز بصور أو بمعلومات شخصية، واستغلال الحاجة إلى العمل أو العلاج أو السفر. ولهذا أصبحت “الحسابات المزيفة” على منصات مثل ‘فيسبوك’ و’واتساب’ و’تليغرام’ من أبرز أدوات العمل الاستخباراتي المعاصر.
وفي الحالة الإسرائيلية، طورت أجهزة الاستخبارات قدراتها “السيبرانية” بصورة واضحة، مستندة إلى وحدات عسكرية متخصصة، أبرزها الوحدة 8200، التي تعد من أكبر وحدات الاستخبارات الإلكترونية في العالم، التي تتولى اعتراض الاتصالات، وتحليل البيانات الضخمة، واختراق الحسابات الشخصية على السوشيال ميديا، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف. وإليها يعزو العديد من الخبراء نجاح إسرائيل في تنفيذ سلسلة عمليات دقيقة ضد حماس في غزة، وضد حزب الله في لبنان، بل وفي بعض “الاختراقات المذهلة” داخل إيران

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى