تقارير وتحقيقات

كواليس “توحيد ليبيا” على الطريقة الأمريكية .. وعقباته الداخلية والإقليمية

كتب:هاني الكنيسي
لم يكن أكثر ما لفت الأنظار في اجتماع (يوم الإثنين) بين وزير الخارجية الأمريكي ‘ماركو روبيو’ واللواء صدام حفتر، نائب ونجل القائد العام لـ”الجيش الوطني الليبي” المشير خليفة حفتر (الحاكم الفعلي لشرق ليبيا من بنغازي) في مقر وزارة الخارجية بواشنطن، هو طبيعة الملفات التي نوقشت، بل “الطرف الغائب” عن الطاولة.
فعلى مدى أكثر من ساعة، جلس صدام حفتر منفرداً ممثلاً لمعسكر شرق ليبيا، في مواجهة ‘روبيو’، ومستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية وصهره ‘مسعد بولس’، قبل أن تُستكمل المناقشات لاحقاً في مقر مجلس الأمن القومي (NSC) بانضمام ‘واين وول’ Wayne Wall، مدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في المجلس.
لكن غاب عن كل ذلك ممثل حكومة “الوحدة الوطنية” التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، رغم أسابيع من التحضيرات والاتصالات والضغوط الأمريكية، ورغم محاولات مصرية وتركية في الكواليس إقناع طرابلس بالمشاركة في “احتفالية” إبرام اتفاق “خطة توحيد ليبيا” Libya Unification Plan، الذي يتبناه الرئيس ترمب شخصيًا، باعتباره “صفقة” أخرى ستُضاف إلى سجل “إنجازاته” الدولية التي لا يمل من تعديدها في كل مناسبة سياسية أو إعلامية.
ولم يكن إقدام واشنطن على نشر صور الاجتماع وبيانه فور انتهائه سوى رسالة سياسية مفادها أن الإدارة الأمريكية مصرّة على “هندسة” تسوية جديدة في الملف الليبي، تتجاوز المسارات الأممية الدبلوماسية التي ظلت تراوح مكانها لسنوات. وهي الرسالة التي لخصها التعليق المنسوب لأحد المسؤولين في ‘واشنطن بوست’، واصفًا ما يجري بأنه “انخراط أمريكي مباشر وغير مسبوق لإعادة رسم موازين القوى داخل ليبيا”.
وبحسب ما نشرته صحيفة ‘إل فيليو’ Il Foglio الإيطالية، التي تتابع كواليس القصة باهتمام بالغ منذ أسابيع، فقد ركّز الاجتماع الأخير على ثلاثة محاور رئيسية تشكّل قوام المشروع الأمريكي: توحيد المؤسسة العسكرية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مؤجلة منذ سنوات.
وتذكر الصحيفة أن واشنطن تدرس “صيغة لتقاسم السلطة” قد تفضي إلى إسناد رئاسة مجلس رئاسي أو تنفيذي جديد إلى صدام حفتر، مقابل الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة انتقالية لفترة محدودة، باعتبارها صيغة “حل وسط” تستوعب مراكز القوة القائمة بدلاً من إقصائها أو مواجهة غضبها.
وفي سياق تغطية الاجتماع، نقل الإعلام الأمريكي عن ‘مسعد بولس’ (الذي لعب الدور المحوري في بلورة هذه المبادرة)، قوله: “إن الانقسام في ليبيا هو أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار في منطقة جنوب المتوسط، ولذلك فإن أي حل دائم يجب أن يبدأ بتوحيد مؤسسات الدولة قبل الذهاب إلى الانتخابات”.
كما أبرزت التغطية الغربية دور جماعات الضغط السياسي في واشنطن في تهيئة المناخ لزيارة حفتر. إذ كشفت وثائق رسمية منشورة بموجب “قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” FARA أن خليفة حفتر ونجله صدام ارتبطا مع شركةBallard Partners، إحدى أبرز لوبيات النفوذ المرتبطة بالحزب الجمهوري، بعقد تصل قيمته إلى مليوني دولار، بهدف تحسين قنوات التواصل مع الكونغرس والإدارة الأمريكية وتقديم معسكر الشرق باعتباره شريكاً موثوقاً في جهود إعادة الاستقرار.
لكن المشروع الأمريكي اصطدم منذ البداية برفض حكومة طرابلس المسيطرة على غرب ليبيا الشاسع والتي تمتلك شرعية الاعتراف الأممي كسلطة تنفيذية. إذ تكشف ‘إل فوليو’ أن عبد الحميد الدبيبة فضّل البقاء في العاصمة الليبية، رافضاً المشاركة أو إرسال وفد رفيع إلى واشنطن (كما كان منتظرًا)، لأنه يعتبر أن “الصيغة الأمريكية الحالية تمنح عائلة حفتر شرعية سياسية ورسمية داخل مؤسسات الدولة المركزية لأول مرة”. وتضيف الصحيفة الإيطالية أن إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الحكومة، حاول التوجه إلى واشنطن لعقد لقاء جانبي مع صدام حفتر بحضور مسؤولين أمريكيين، إلا أنه “تراجع بعد تعثر محاولاته للحصول على ضمانات أمريكية تتعلق بملفات قانونية وقضائية قد تطاله مستقبلاً”.
كما حاولت شخصيات أخرى محسوبة على غرب ليبيا، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، إجراء زيارة موازية إلى واشنطن بدعم من بعض مستشاري البيت الأبيض، غير أن تلك التحركات انتهت إلى لقاءات مع مسؤولين من مستويات أدنى، من دون أن تحظى بلقاء مباشر مع ‘روبيو’، وهو ما قرأته الأوساط الليبية باعتباره مؤشراً على أن واشنطن أرادت توجيه رسالة واضحة بأن “مركز الثقل في هذه الجولة كان معسكر الشرق” (أي بنغازي حفتر).
وفي المقابل، عاشت طرابلس على وقع اجتماعات متلاحقة لقادة الفصائل المسلحة، خشية أن يؤدي المشروع الأمريكي إلى فرض ترتيبات جديدة تقلص نفوذها. فتشير صحيفة ‘إل فيليو’ في تقريرها إلى أن “المخاوف السائدة في العاصمة الليبية لا تتعلق فقط بصعود صدام حفتر، بل بإمكانية تكرار نموذج انتقال السلطة الذي شهدته مصر بعد عام 2013، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة التي قوبلت بها فكرة منح المؤسسة العسكرية الموحدة دوراً مركزياً في المرحلة المقبلة”.
هذه المعطيات في مجملها تتقاطع مع تقارير نشرتها مؤخرًا ‘جيروزيلم بوست’ الإسرائيلية وعدد من مراكز الأبحاث الغربية، تؤكد أن إدارة ترمب لم تعد ترى في المسارات التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) إطاراً كافياً لإنهاء الانقسام، وأنها باتت تفضل التفاوض المباشر مع “القوى القادرة على فرض الوقائع ميدانياً”، وعلى رأسها معسكر حفتر في الشرق، باعتباره شريكاً أساسياً في أي تسوية تضمن استقرار إنتاج النفط وتأمين الحدود الجنوبية ومنع توسع النفوذ الروسي. (*الثروة النفطية الليبية طبعًا هي المحرك الأساسي للإمبراطور البرتقالي ودافعه الأول للوصول إلى صفقة “توحيد ليبيا”).
لكن بعض المراقبين يتحدثون أيضًا عن دافع أمريكي آخر للتحرك بسرعة في الملف الليبي، ألا وهو تزايد مخاوف واشنطن من تنامي الحضور الروسي في شرق وجنوب ليبيا، سواء عبر بقايا ميليشيات “مجموعة فاغنر” Wagner أو من خلال “فيلق أفريقيا” Africa Corps الذي أنشأته موسكو بعد إعادة هيكلة وجودها العسكري في القارة السمراء. وفي هذا السياق، يذكّر هؤلاء بأن القيادة الأمريكية في أفريقيا (AFRICOM) حذّرت مراراً من أن استمرار الانقسام الليبي يوفر بيئة مثالية لترسيخ النفوذ الروسي، كما يهدد أمن جنوب أوروبا ويعقد جهود مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو واشنطن معنية فقط بإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، بل أيضاً بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بما يضمن وجود “قيادة موحدة” تستطيع ضبط الحدود والمنشآت النفطية. وتشير التسريبات المتداولة في الإعلام الغربي إلى أن النقاشات الأمريكية مع حفتر تناولت أيضاً “توحيد الميزانية العامة، وإعادة دمج المؤسسات السيادية، بما في ذلك المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارهما الركيزتين الاقتصاديتين لأي دولة ليبية موحدة”.
غير أن المشروع الأمريكي يصطدم بحسابات إقليمية معقدة. فالقاهرة، التي ظلت طوال السنوات الماضية الداعم الإقليمي الأبرز للمشير خليفة حفتر، لا تعارض من حيث المبدأ فكرة توحيد المؤسسات، لكنها تتحفظ على أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقليص نفوذها أو إلى احتكار واشنطن إدارة الملف الليبي. ووقد نقلت ‘إل فيليو’ الإيطالية عن مصادر دبلوماسية أن الزيارات الأخيرة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى شرق ليبيا، واجتماعات المشير خليفة حفتر في القاهرة قبلها، ركزت على ضرورة “تنسيق المواقف” قبل إبرام الاتفاق الأمريكي، مع الحفاظ على دور المؤسسة العسكرية وعدم تمكين الفصائل المسلحة في الغرب من فرض شروطها على أي تسوية.
أما تركيا، التي تعد الداعم العسكري والسياسي الرئيسي لحكومة طرابلس منذ توقيع مذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية عام 2019، فقد أبدت مرونة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة. وبحسب مصادر دبلوماسية تركية وغربية، فإن أنقرة لا تمانع في دعم أي مبادرة أمريكية تضمن استمرار نفوذها العسكري والاقتصادي في غرب ليبيا، وتحفظ الاتفاقيات الموقعة مع حكومة الوفاق السابقة، مقابل مرونة أمريكية في ملفات إقليمية أخرى، بينها التعاون في سوريا وشرق المتوسط. إلا أن هذه “المرونة” التركية اصطدمت بمواقف رافضة من بعض زعماء القبائل والفصائل المسلحة في الغرب الليبي، الذين يخشون أن يؤدي إدماج حفتر في السلطة المركزية إلى تغيير جذري في موازين القوة داخل البلاد.
وفي خلفية المشهد، جاء قرار حكومة الدبيبة إقالة رئيس جهاز المخابرات الليبية الأسبوع الماضي، ليضيف مزيداً من التعقيد في توقيت حساس. ورغم أن طرابلس بررت الخطوة باعتبارات تنظيمية وإدارية، فإن مراقبين ليبيين وغربيين رأوا فيها محاولة لإعادة “ترتيب الأجهزة الأمنية” قبل الدخول في أي استحقاق سياسي كبير، ولضمان ولاء المؤسسات الحساسة في حال تعرض الحكومة لضغوط أمريكية أو دولية للقبول بتسوية لا تتوافق مع رؤيتها. بينما قرأ معسكر الشرق القرار باعتباره دليلاً على “ارتباك” حكومة طرابلس وخشيتها من وجود اختراقات داخل الأجهزة السيادية لصالح مشروع “إعادة توحيد ليبيا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى