كتاب وشعراء

العمق الفلسفي والبياني والبلاغي لقصيدة “مَنِ اعتقل الشمس..؟” للشاعر المصري المبدع: أشرف ياسين شبانه بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

مَنِ اعتَقَلَ الشَّمْسَ
مِنْ عَيْنَيْكِ وَأَطْفَأَ النَّهَارْ؟
مَنْ أَوْصَدَ نَواْفِذَ الهَمْسِ
وَأَوْدَعَ اليَوْمَ خَلْفَ الأََسْوَارْ؟
مَنْ أَغْلَقَ الغَدَ وَبَاعَ الأَمْسَ
بِأبْخَسِ الأََسْعَارْ.

أيَّتُهَا المُتَكَلِّسَةُ المَوْقُوْفَةُ
فِي الزَّمَنِ المُتَحَوِّلِ
تَاْئِهَةٌ أَنْتِ بِالْمَلَكُوْتِ
وَالعُمرُ يَفُوتْ
عَلَاْمَ تُحَاوِلِيْنَ عُبُوْرَ اليَمِّ
وَالضِّفَّةُ الأُخْرَى وَهْمٌ فيْ وَهْمٍ
وَالأجَلُ مَوْقُوْتْ.

أيَّتُهَا الخَرْسَاءُ الغَارِقَةُ
بِبَحَرِ الصَمْتِ
اسْتَنْفَذَ الوَقْتُ .. مَدَاهُ
وَسَقَطَ القِنَاعُ عَنِ الحَيَاْةِ
تِلْكَ الأُكْذُوْبَةِ الَّتِيْ
لَمْ تَكُ سِوَى طُرفَةٍ
مرَّتْ بطَرفةِ عَيْنٍ
وَمْضَةٍ؛ أعْقَبَهَا خُفُوْتٌ
لِمَاذَا تَخَافِينَ عَلَيْنَا
وَنَحْنُ اعْتَدْنَا أنْ نَمُوتْ.

شعر: أشرف ياسين شبانه

-العمق الفلسفي والفكري والبياني والبلاغي للقصيدة

تندرج قصيدة “من اعتقل الشمس”، التي برع الشاعر (أشرف ياسين شبانة) بنظمها ضمن شعر التفعيلة، وتتميز بمستوى فني وأدبي راقٍ من حيث العمق الفلسفي، والموسيقا الداخلية، وروعة التصوير، عندما تحدَّث بلسان الحياة، طارحاً جملاً استفهامية وجودية عميقة حول “الزمن الذهبي المتحوِّل، والموت الذي يفوت، والعبثية المسيطرة”. للتعبير عن الاغتراب والرفض واليأس من التغيير، فيما تتجلَّى ذروة الفلسفة في البيت الأخير: “لماذا تخافين علينا نحن اعتدنا أن نموت”، والذي يُجسِّد حالة من التآلف مع الألم والاعتياد على الفقد، بينما تمتلك الصور الفنية عمق المعنى وقوة الدلالة والدفق الشعوري القوي، حيث وظّف الشاعر الصور البيانية والمحسنات البديعية بأسلوب يُعبِّر عن الفقد، والعبثية، واليأس الوجودي عندما شبَّه الشمس بشخص يُعتقل ويُقيَّد، وحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه (الاعتقال) على سبيل الاستعارة المكنية، التي تبرز حجم الظلمة وفقدان النور والأمل.
كذلك نجد الاستعارة المكنية واضحة في قوله: “أودع اليوم خلف الأسوار”. شبه “اليوم” (الزمن) بشيء مادي يُحبس ويُخفى، ما يدلُّ على ضياع الوقت والشعور بالسجن.
أما الكناية فنجدها في قوله: “أغلق الغد وباع الأمس بأبخَسِ الأسعار”. كناية عن التفريط المطلق في المستقبل والماضي، والعبث في إدارة الحياة.
فيما نقرأ الاستعارة التصريحية واضحة في عبارة: “أيّتها الخرساء الغارقة ببحر الصمت”. إذ شبَّه حالة التيه والانعزال بـ “بحر الصمت”، وحذف المشبه (التيه أو السكوت) وصرح بالمشبه به (البحر) لإعطاء انطباع بالعمق والغرق.
كذلك نقرأ علم البديع من خلال الطباق الذي يبرز التضاد الدال على الصراع الداخلي والتناقضات في مسار الحياة.. بين الظلمة والنور والماضي والمستقبل.. مثل: “أطفأ” و”النهار”.. “الغد” و”الأمس”.
المقابلة تبرز واضحةً في الشطرين “باع الأمس بأبخس الأسعار”.
ما يخلق موسيقى داخلية معبِّرة وجميلة لخلق إيقاع نغمي سريع يجسِّد حالة القلق والحيرة، بالإضافة إلى استخدام القوافي القصيرة السريعة (النهار، الأسوار، الأسعار، يموت) التي تناسب جو النهاية والموت. فيما تدلُّ تكرار الجمل الإنشائية الاستفهامية لا سيَّما في المقطع الأول على بلاغة الاستنكار والتحسُّر نتيجة ضياع النور والزمن.
أما أسلوب النداء: “أيّتها المتكلسة” و “أيّتها الخرساء”. فيشير بلاغياً إلى الزجر واللوم لتلك الحالة من الجمود والوقوف في الزمن دون حراك، بينما تدلُّ عبارتا: “وهمٌ في وهمٍ” و”الأجلُ موقوت” إلى توكيد فكرة عبثيَّة المحاولات وقصر الحياة.
الشاعر لم يكتفِ بهذا التنوع البلاغي والبياني بل لجأ إلى الأنسنة وتشخيص الجماد أو الأشياء المعنوية اللا محسوسة مثل مخاطبة “الزمن” بأنه مُتكلِّس، ومخاطبة “الحياة” بالخرساء.
كما استخدم صوراً بيانية قوية ومبتكرة مثل: “أودع اليوم خلف الأسوار، وسقط القناع عن الحياة / تلك الأكذوبة، وومضة؛ أعقبها خفوت”.
ومع أنَّ القصيدة تحرَّرت من نظام الشطرين والقافية الموحَّدة، واعتمدت على تفعيلة تتكرَّر إلا أنَّها تمتلك إيقاعاً داخلياً عذباً يعتمد على التوازي والتقطيع الموسيقي للأسطر (مثل الجناس في: طُرفة، طَرفة).
كذلك برع الشاعر القدير أشرف ياسين شبانة في استخدام “الاستفهام” عندما قال: (مَنْ اعتقل، مَنْ أوصد..؟) كأداة لخلق حالة من التوتر والبحث عن إجابات بلغة سهلة.. لكنها مكثَّفة.. عميقة وموحية، تعبِّر عن المعنى بمفردات وجيزة، وتتكئ على الأسلوب التقريري المبطَّن بالعاطفة وعلى الرمزية الفلسفية العميقة حول الحياة والوجود الإنساني، وقضايا الزمن والموت، ما أعطى النص طابعاً تأمُّليَّاً حزيناً.. والأمثلة على ذلك كثيرة.. منها: صراع الإنسان مع الزمن واعتباره أكذوبة ووهماً عندما قال: (الزمن المتحوّل، العمر يفوت، الأجل موقوت)، كدلالة على عبثيَّة التشبُّث بالحياة، لذا يُعَدُّ الزمن محوراً أساسياً في القصيدة ويرمز إلى العجز الإنساني أمام حتمية الوقت والفناء..
أيضاً رمز الشاعر بمفردتي: “الشمس والنهار” إلى “الحقيقة، الحرية، والحياة”. بينما دلَّت عبارة: “إطفاء النهار وإغلاق النوافذ” إلى القمع، وفقدان البصيرة، والوقوع في سجن الجهل أو اليأس.
ومن الرموز الأخرى قول الشاعر: “الأجل موقوت” و”اعتدنا أن نموت” التي تجسِّد فلسفة التسليم بالقدر والموت كحقيقة مطلقة وحتمية لا مفرَّ منها، مما يفرغ الخوف من الموت من معناه.
وتطالع القارئ عبثية السعي الإنساني من خلال تصوير محاولة العبور بـ “الوهم” للتعبير عن الفلسفة العدميَّة أو العبثيَّة، حيث تبدو الجهود البشرية في البحث عن النجاة بلا فائدة.
من هنا نقول: تسيطر على القصيدة عاطفة مزيجٌ من الحزن، الإحباط، واليأس الوجودي. ويتدرج الجو النفسي من التساؤل والاحتجاج في المقطع الأول، إلى العتاب واليأس في المقطع الثاني، وصولاً إلى التسليم بالموت والحقيقة المطلقة في المقطع الأخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى