رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب:أزمة الوعي… حين يهزم الشعارُ البرنامجَ، وتسبق الإشاعةُ الحقيقة …!

“لا تُهزم الأمم عندما تخسر معركة، بل عندما تعجز عن التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الشعار والبرنامج.”

لم تكن أزمة الأمة العربية يومًا أزمة نقص في القضايا العادلة، ولا أزمة افتقار إلى الرجال أو التضحيات، وإنما كانت – وما تزال – أزمة وعي سياسي، وأزمة في إدارة الصراع، وأزمة في العلاقة بين الحلم والواقع. فما أكثر الشعارات التي ارتفعت، وما أقل البرامج التي أُحسن إعدادها، وما أكثر الوعود التي أُطلقت، وما أقل ما تحول منها إلى سياسات قابلة للحياة.

لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ تتقدم فيه الرواية على الحقيقة، والانطباعات على الوقائع، والصورة على المضمون.

ولم تعد الحروب تُحسم بالسلاح وحده، بل بالكلمة، وبالصورة، وبالقدرة على تشكيل وعي الناس وإدراكهم. فالإشاعة اليوم ليست خبرًا كاذبًا فحسب، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا، وأداة لإرباك المجتمعات، وتشويه الحقائق، وصناعة القبول أو الرفض، حتى غدت الكذبة المنظمة أحيانًا أكثر تأثيرًا من الحقيقة المجردة.

وليس مرد ذلك إلى قوة الإشاعة، بل إلى ضعف المناعة الفكرية. فالحقيقة تحتاج إلى عقلٍ يتحرى، وإلى ثقافةٍ تحترم الدليل، وإلى مجتمعٍ يقدس المعرفة، بينما لا تحتاج الإشاعة إلا إلى عاطفة مشتعلة، أو خوفٍ متراكم، أو أملٍ يبحث عن أي نافذة، ولو كانت وهمًا.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تتغلب الشعارات على البرامج. فالشعار يخاطب المشاعر، أما البرنامج فيخاطب العقل. والشعار يعد الجميع بكل شيء، بينما يضع البرنامج حدود الممكن، ويحسب الكلفة، ويقرأ موازين القوى، ويوازن بين الأهداف والوسائل. لذلك يصفق الناس للشعار، لكن الدول لا تُبنى إلا بالبرامج.

وهذه ليست ظاهرة تخص تيارًا سياسيًا بعينه، بل تكاد تكون سمة ملازمة لكثير من التجارب العربية الحديثة. فقد رفعت الحركات القومية شعارات الوحدة والتحرير، ورفعت الحركات اليسارية شعارات العدالة والثورة، ورفعت الحركات الإسلامية شعارات النهضة والمرجعية الإسلامية، لكن معظمها، عندما اصطدم باختبار الدولة وإدارة المجتمع وتعقيدات الاقتصاد وتشابكات النظام الدولي، اكتشف أن الطريق إلى النهضة أكثر تعقيدًا من الشعارات التي رفعها.

والمشكلة هنا ليست في الشعارات نفسها؛ فالأمم تحتاج إلى أحلام كبرى تلهمها، وإلى مبادئ تهديها، وإلى خطاب يعبئ طاقاتها. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الشعار إلى بديل عن التفكير، وإلى إعفاء من التخطيط، وإلى وسيلة لتأجيل الأسئلة الصعبة: كيف؟ وبأي أدوات؟ وما الإمكانات؟ وما البدائل؟ وما الثمن؟

لقد دفعت الأمة العربية ثمنًا باهظًا لهذا الخلط بين الرغبة والقدرة، وبين الأمنيات والحقائق.

فكم من مشروع وُلد في لحظة حماس، ثم انهار عند أول اختبار للواقع، وكم من قيادة اعتقدت أن الجماهير التي تهتف اليوم ستظل تهتف غدًا، حتى وإن غاب الإنجاز، واتسعت الفجوة بين الوعد والواقع.

ولعل التجربة الفلسطينية، بكل ما تحمله من آلام وبطولات، تقدم النموذج الأكثر أهمية لهذه الإشكالية. فالقضية الفلسطينية ستبقى قضية عادلة، لأنها قضية شعب يناضل من أجل حريته وحقه في تقرير مصيره، وهذه العدالة لا تنتقص منها أخطاء القيادات، ولا تغيرها التحولات السياسية.

لكن عدالة القضية لا تعني عصمة التجربة. فالحركة الوطنية الفلسطينية، بمختلف فصائلها ومدارسها الفكرية، قدمت تضحيات استثنائية، وحافظت على حضور فلسطين في الضمير العالمي، لكنها، شأنها شأن كل حركات التحرر، لم تكن بمنأى عن أخطاء التقدير، ولا عن المبالغة أحيانًا في قدرة الشعار على تجاوز تعقيدات الواقع.

وتبرز تجربة حركة حماس مثالًا مهمًا يستحق الدراسة الهادئة، بعيدًا عن لغة التخوين أو التقديس. فقد أثبتت الحركة قدرة كبيرة على الصمود والمقاومة، ورسخت حضورها في الوجدان الفلسطيني والعربي، لكنها، عندما انتقلت من موقع المعارضة إلى مسؤولية الحكم، واجهت تحديات هائلة كشفت أن إدارة السلطة تختلف عن قيادة المقاومة، وأن بناء المجتمع والدولة يتطلب أدوات إضافية إلى جانب الإرادة والتضحية.

وهذا الدرس لا يخص حماس وحدها، بل يشمل معظم الحركات السياسية التي انتقلت من المعارضة إلى الحكم، سواء كانت قومية أو يسارية أو إسلامية. فإدارة الدولة لا تقوم على صدق النوايا وحده، بل على كفاءة المؤسسات، ودقة التخطيط، وحسن إدارة الموارد، وقراءة البيئة الإقليمية والدولية، وفهم موازين القوى.

وقد أدركت إسرائيل هذه الثغرات، فاستثمرتها في حربها السياسية والإعلامية. فلم تكتفِ بمواجهة الفلسطيني في الميدان، بل عملت على استثمار كل خطأ، وكل مبالغة، وكل فجوة بين الشعار والواقع، لتصويرها وكأنها دليل على بطلان القضية نفسها. وهنا كان الخلل مضاعفًا؛ إذ تحول الخطأ السياسي إلى مادة دعائية بيد الخصم، بينما بقيت المراجعة والنقد الذاتي محدودين، وكأن الاعتراف بالخطأ أخطر من الوقوع فيه.

إن الأمم الحية لا تخشى مراجعة تجاربها، لأنها تدرك أن النقد ليس هدمًا، بل هو شرط للبناء. أما تقديس الأشخاص، أو التنظيمات، أو التجارب، فإنه لا يصنع إلا مزيدًا من الأخطاء، لأن ما لا يُراجع لا يتطور، وما لا يُنتقد لا يتجدد.

إن أخطر ما أصاب العقل السياسي العربي أنه استبدل ثقافة السؤال بثقافة اليقين، وثقافة البرنامج بثقافة الشعار، وثقافة الإنجاز بثقافة الخطابة. فأصبح النجاح يقاس بارتفاع سقف الشعارات، لا بقدرة السياسات على تحقيق أهدافها، وأصبح الاختلاف يُعد خيانة، والمراجعة ضعفًا، والنقد خروجًا على الصف، بينما الحقيقة أن الأمم تتقدم بالنقد أكثر مما تتقدم بالتصفيق.

لقد أثبت التاريخ أن الشعارات تستطيع أن تحرك الجماهير، لكنها لا تبني الدول. وأن الإشاعة قد تربح معركة إعلامية، لكنها لا تستطيع أن تصنع حضارة. وأن الشعبوية قد تحقق انتصارًا عابرًا، لكنها تعجز عن إدارة صراع طويل أو بناء مشروع نهضوي مستدام.

إن المشروع الوطني الفلسطيني، كما المشروع العربي الأوسع، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى ثورة في الوعي، تعيد الاعتبار للعقل، وللعلم، وللتخطيط، وللنقد الذاتي، وللعمل المؤسسي. يحتاج إلى ثقافة توازن بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل، وبين عدالة القضية وحسن إدارتها، وبين الإيمان بالحق والإدراك العميق لتعقيدات الواقع.

فلا يكفي أن تكون القضية عادلة، بل يجب أن تكون إدارتها راشدة. ولا يكفي أن تكون التضحيات عظيمة، بل يجب أن تتحول إلى إنجازات سياسية ووطنية. ولا يكفي أن نمتلك الحق، بل يجب أن نمتلك أدوات الدفاع عنه، وصناعة روايته، وإقناع العالم بعدالته.

إن النهضة لا تبدأ من تغيير الشعارات، بل من تغيير طريقة التفكير. ولا تبدأ من البحث عن أبطال جدد، بل من بناء مؤسسات قوية، وثقافة سياسية ناضجة، وقيادات تؤمن بأن الحقيقة لا تخشى النقد، وأن البرنامج لا يقل أهمية عن المبدأ، وأن المستقبل تصنعه العقول التي تتعلم من أخطائها، لا التي تكررها.

فالأمم لا تُخلد بكثرة ما قالت، بل بعظمة ما أنجزت. والتاريخ لا يذكر من رفعوا أعلى الأصوات، بل من امتلكوا أوضح الرؤى، وأصدق البرامج، وأعمق الإيمان بأن الحقيقة، مهما تأخرت، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل يليق بالأوطان… ويليق بفلسطين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى