تقارير وتحقيقات

أصابع إيران في دراما “تهريب” رئيس الشاباك الإسرائيلي السابق من الإمارات

كتب:هانسي الكنيسي
وسط تعتيم شبه كامل، ظلّت القصة الدرامية طيّ الكتمان لأسابيع.
وفجأة، يتسرّب أمس الخيط الأول إلى العلن على يد الصحافي الإسرائيلي الشاب ‘ميخائيل شيمش’ (المراسل والمعلّق السياسي في ‘القناة 13’ العبرية)، قبل أن تلتقطه هيئة البث الإسرائيلية الرسمية ‘كان’، ثم تتداوله صحف ومواقع عبرية أخرى، أبرزها ‘جيروزاليم بوست’، ليتحول إلى مادة نقاش وجدل إعلامي حول ما جرى لرئيس جهاز الشاباك السابق ‘رونين بار’ وزوجته خلال زيارة حديثة “غير معلنة” إلى دولة الإمارات (الشقيقة).
بحسب رواية الإعلام العبري، كان ‘بار’ وعقيلته ‘دافنا بار-أغاسي’ يشاركان مؤخرًا في مؤتمر أمني رفيع المستوى في أبو ظبي، بدعوة من وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، عندما ورد إنذار استخباراتي وُصف بأنه “استثنائي وخطير للغاية”، دفع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار عاجل بإجلائهما فوراً “على متن رحلة خاصة” إلى إسرائيل.
ورغم أن الجهات الرسمية التزمت الصمت التام، فإن تسريبات لاحقة تحدثت عن معلومات استخباراتية “رجحت” اكتشاف “مخطط إيراني” لاستهداف المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي المتقاعد أثناء وجوده في الإمارات، لكن دون تقديم أي أدلة على صحة تلك الفرضية -بحسب ما نقلته مواقع عبرية عن مصادرها.
ولم تستبعد بعض التقديرات أن المؤتمر “الأمني الدولي” الذي حضره ‘بار’ وزوجته كان جزءاً من الفعاليات التي استضافتها العاصمة الإماراتية على هامش “قمة أبو ظبي العالمية للأمن المستدام 2026” التي انعقدت في مركز “أدنيك” بين 19 و21 مايو 2026، وجمعت مسؤولين حكوميين وخبراء أمنيين وصناع قرار من دول عدة لمناقشة تحديات الأمن الإقليمي والدولي في مرحلة ما بعد الحروب والأزمات المتسارعة في الشرق الأوسط.
وغير خافٍ بالطبع أنه منذ توقيع “الاتفاقات الإبراهيمية” في واشنطن عام 2020، تحولت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية -بسرعة لافتة- إلى أحد أهم مسارات التعاون السياسي والأمني في المنطقة، وباتت أبو ظبي محطة دائمة للقاءات الأمنية المغلقة والترتيبات الاستراتيجية التي تجمع مسؤولين من البلدين. وظهرت درة تاج هذا التعاون خلال الحرب الأخيرة على إيران واستعانة الإمارات بمنظومات دفاع “القبة الحديدية” الإسرائيلية مع طواقم تشغيلية كاملة (بحسب اعترافات أكثر من مسؤول إسرائيلي وتصريحات السفير الأمريكي في القدس ‘مايك هاكابي’) لصد هجمات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
وفي هذا السياق تحديداً، يكتسب ما جرى مع ‘رونين بار’ أهمية إضافية، لأنه يسلط الضوء على الجانب الأقل ظهوراً في تلك العلاقة؛ أي التداخل بين الأمن والاستخبارات والدبلوماسية في مواجهة “أخطر التحديات الإقليمية” من وجهة نظر الحليفتين الإبراهيميتين .. أي إيران.
ولعل ذلك ما يفسّر تجاوز اهتمام الإعلام العبري بالقصة تفاصيل عملية الإجلاء الطارئة من أبو ظبي إلى تساؤلات أعمق عن دور أحد أبرز قيادات الاستخبارات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة في هذه المعادلة، خصوصًا وأن ‘بار’ كان له دور محوري في رسم السياسات الأمنية تجاه ما وصفه شخصيًا بـ”التهديد الإيراني متعدد الأبعاد”، قبل أن يغادر منصبه في يونيو 2025 بضغط من النتنياهو (ليخلفه في قيادة جهاز ‘الشاباك’ اللواء المتقاعد ‘ديفيد زيني’).
وقد عبّر بنفسه عن هذه الرؤية في أكثر من مناسبة، محذراً من أن إيران “تدير حرباً متعددة الأبعاد تشمل الهجمات السيبرانية المتقدمة، وبناء خلايا التجسس والاغتيالات داخل حدودنا وخارجها”، داعياً إلى “رد استباقي لمنع طهران من فرض واقع أمني جديد”.
ومن جانب مقابل، فإن ‘رونين بار’ (الذي كان أول من أعلن تحمل المسؤولية عن الإخفاقات الاستخباراتية في هجوم 7 أكتوبر 2023، قبل أن يدخل لاحقاً في أزمة مع النتنياهو بسبب التحقيقات المتعلقة بما عُرف إعلامياً بقضية “الارتباط القطري”) يُعد أحد أبرز المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الذين اعتبروا التطبيع مع الإمارات “أكثر من محض خطوة دبلوماسية”. ونقلت عنه صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ قوله في جلسات مغلقة إن “الاتفاقات الإبراهيمية ليست مجرد حبر على ورق أو صفقة سياسية عابرة، بل حجر الأساس لتشكيل تحالف أمني إقليمي صلب ومضاد للمحور الإيراني”.
وكان لافتًا معالجة بعض المواقع العبرية لقصة “تهريب” بار وزوجته، من زاوية أن أي تهديد أمني محتمل لشخصية إسرائيلية رفيعة داخل الإمارات يحمل “حساسية مزدوجة”. فمن جهة، تحرص أبو ظبي على ترسيخ صورتها كإحدى أكثر عواصم المنطقة أمناً واستقراراً لاستضافة المناسبات الدولية. ومن جهة أخرى، تدرك إسرائيل أن نجاح الخصم الإيراني في اصطياد أحد مسؤوليها داخل دولة “حليفة” سيكون له تداعيات رمزية تتجاوز الشخص المستهدف نفسه. وقد شهدت دول عدة في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية حوادث زعمت تل آبيب أنها كانت محاولات إيرانية لاستهداف دبلوماسيين أو سياح أو مسؤولين أمنيين إسرائيليين حاليين وسابقين، فيما تتهم طهران بدورها الموساد باغتيال علماء وقادة عسكريين إيرانيين.
وبينما لا تزال الأسئلة المتعلقة بطبيعة التهديد الأمني الأخير وكيفية اكتشافه بلا إجابات معلنة، فالمؤكد أن رحلة ‘رونين بار’ إلى أبوظبي تحولت من زيارة بروتوكولية “سرية” إلى قصة بوليسية مثيرة تعيد التذكير بأن “حروب الظل” متواصلة في المنطقة، حتى وأن أوقفت المفاوضات العلنية ومذكرات التفاهم معاركها الميدانية وحجبت أصوات مدافعها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى