تقارير وتحقيقات

الأزمة الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة: تحديات إعادة الإعمار في ظل استمرار الحصار

كتب:محمد جمال قنديل

دخلت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد مع تراكم الآثار الممتدة للنزاع العسكري الذي اندلع في أكتوبر 2023، بحيث لم تعد المسألة تنحصر في تقديم الإغاثة العاجلة، بل امتدت إلى معضلة إعادة بناء مجتمع بأكمله فقد قسطاً كبيراً من بنيته التحتية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وتكشف التقديرات الأممية أن حجم الدمار الذي لحق بقطاعات الإسكان والصحة والتعليم والاقتصاد يضع غزة أمام مسار تعافٍ يمتد لعقد كامل على الأقل، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على حركة المواد والأفراد تحوّل خطط الإعمار المعلنة إلى أطر نظرية أكثر منها برامج تنفيذية قابلة للقياس. وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال مركزي: إلى أي حد يمكن فصل الملف الإنساني والاقتصادي في غزة عن الشرط السياسي والأمني الذي يحكم مساره، وهل يمكن تحقيق تعافٍ مستدام في ظل استمرار القيود المفروضة وغياب أفق سياسي واضح؟
منهجياً، تعتمد الورقة على المنهج التحليلي الوصفي القائم على قراءة تقاطعية لتقارير المنظمات الدولية والتغطيات الميدانية الموثقة، بهدف رصد مؤشرات الأزمة الإنسانية والاقتصادية بصورة تراكمية بدلاً من الاكتفاء برصد الوقائع المنفصلة بمعزل عن سياقها. أما من حيث الإطار الزمني، فتغطي الدراسة الفترة الممتدة من مطلع عام 2026 وحتى نهاية يوليو من العام نفسه، بوصفها المرحلة التي تبلورت خلالها أبرز التقديرات الخاصة بكلفة الإعمار ومؤشرات التراجع التنموي، وصولاً إلى أحدث المداولات الأممية بشأن مسار التعافي والسلطة المقبلة على القطاع.
الكلمات المفتاحية: قطاع غزة، الأزمة الإنسانية، إعادة الإعمار، الحصار، التنمية البشرية، الاحتلال الإسرائيلي، الأونروا، مجلس الأمن
أولاً: حجم الكارثة الإنسانية ومؤشرات التراجع التنموي
تشير تقييمات صادرة عن الأمم المتحدة ومطلع عام 2026 إلى أن قطاع غزة يحتاج ما يزيد على 71 مليار دولار خلال العقد المقبل لإعادة بناء ما دمرته الحرب، في وقت تراجعت فيه مؤشرات التنمية البشرية بما يعادل 77 عاماً كاملة، وهو رقم غير مسبوق في تقارير النزاعات المسلحة الحديثة. وتوضح البيانات أن أكثر من 371 ألف وحدة سكنية دُمرت أو تضررت، وأن أكثر من 60% من سكان القطاع فقدوا منازلهم بالكامل، بينما خرجت أكثر من نصف المستشفيات عن الخدمة وتعرضت غالبية المدارس للتدمير أو الأضرار الجسيمة. وتتحمل النساء والأطفال وذوو الإعاقة العبء الأكبر من هذا الواقع، إذ يعتمد أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع على المساعدات الخارجية لتلبية احتياجاتهم الأساسية من غذاء ومياه ورعاية صحية.
ورغم مرور نحو تسعة أشهر على سريان الهدنة، لا تزال مشاهد النزوح داخل الخيام قائمة وسط أنقاض المباني، في ظل غياب خطوات فعلية لرفع الركام أو إدخال مواد البناء بالقدر الذي يسمح بانطلاق مشروعات إعمار حقيقية على الأرض. ويرى مسؤولون أمميون أن استمرار هذا الوضع دون معالجة جذرية يهدد بتحويل الأزمة الإنسانية إلى حالة بنيوية طويلة الأمد، بدلاً من كونها مرحلة انتقالية عابرة عقب انتهاء العمليات العسكرية.

ثانياً: الانهيار الاقتصادي ومعوقات التعافي
على الصعيد الاقتصادي، انكمش اقتصاد قطاع غزة بنسبة تقارب 84%، وهي من أعلى معدلات الانكماش المسجلة عالمياً في سياق نزاع مسلح، نتيجة تدمير الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية إلى جانب شبكات الطرق والمياه والصرف الصحي والكهرباء. وفي المقابل، سجل الاقتصاد الفلسطيني ككل نمواً محدوداً يقارب 4% خلال عام 2025، مدفوعاً بتحسن نسبي في الضفة الغربية، وهو ما يعكس تبايناً حاداً بين الإقليمين ويؤكد أن أي حديث عن تعافٍ اقتصادي فلسطيني عام يظل منقوصاً ما لم يشمل غزة تحديداً.
وتحدد تقارير أممية أربعة شروط أساسية لأي مسار تعافٍ اقتصادي مستدام، تتمثل في حرية تنقل الأفراد والسلع ومواد الإعمار داخل القطاع وبينه وبين الضفة الغربية، ووجود نظام مالي فعال وشفاف، وحكومة واضحة وخاضعة للمساءلة، إلى جانب إزالة الأنقاض ومعالجة الذخائر غير المنفجرة وتسوية قضايا الأراضي والملكية. غير أن استمرار القيود المفروضة على دخول مواد البناء والمعدات الثقيلة يجعل هذه الشروط أهدافاً بعيدة المنال في المدى القريب، فيما تتزايد الضغوط على الاقتصادات الإقليمية المجاورة؛ إذ قدّرت مصر خسائر قناة السويس الناجمة عن اضطراب الملاحة الإقليمية بنحو 10.5 مليارات دولار، وهو ما يعكس امتداد الكلفة الاقتصادية للأزمة إلى ما هو أبعد من حدود القطاع نفسه.
ثالثاً: الإعمار بين الشرط السياسي والشرط الأمني
يجمع مسؤولون أمميون على أن استدامة إعادة الإعمار لا يمكن ضمانها في غياب مسار سياسي واضح، وأن العمل الإنساني وحده عاجز عن وضع غزة على طريق التعافي طويل الأمد. ويشكل ملف الترتيبات الأمنية جوهر هذا الجمود، إذ تربط سلطات الاحتلال الإسرائيلي أي تقدم في الإعمار بشرط نزع سلاح حركة حماس، بينما ترفض الحركة ذلك ما لم يقترن بحل سياسي شامل يفضي إلى إقامة سلطة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع. ويستند الإطار الدولي في هذا الملف إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، الذي طالبت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بتنفيذه الكامل باعتباره شرطاً لا غنى عنه لإنهاء الصراع، إلى جانب التأكيد على ضرورة وضع مسار واضح نحو إقامة الدولة الفلسطينية.
وتلعب أطراف إقليمية عدة دوراً في محاولة كسر هذا الجمود، إذ استضافت مصر وفوداً من حركة حماس لبحث آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بينما جددت قطر دعمها لمساعي نزع فتيل التوتر والتوصل إلى تسوية شاملة تحفظ الاستقرار الإقليمي. وفي الوقت ذاته، تحذر تقارير أممية حديثة من أن استمرار العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، ودخول قواته دون إذن مسبق إلى منشآت تابعة للأونروا، يقوّض فرص بناء الثقة اللازمة لأي مسار تفاوضي شامل يجمع بين ملفي غزة والضفة معاً.
خاتمة: ترجيحات وسيناريوهات
تشير مجريات الأزمة إلى أن الفصل بين البعدين الإنساني والاقتصادي من جهة، والبعدين السياسي والأمني من جهة أخرى، لم يعد ممكناً في حالة غزة، بحيث تحول الإعمار إلى مرآة لموازين القوى الإقليمية والدولية أكثر من كونه مسألة تقنية أو تمويلية بحتة. وفي ضوء ذلك، يمكن ترجيح ثلاثة سيناريوهات لمسار هذا الملف: الأول، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، استمرار حالة «التعافي الجزئي البطيء»، حيث تتقدم جهود الإغاثة والإعمار المحدود دون معالجة جذرية للشرطين السياسي والأمني؛ والثاني احتمال انهيار الهدنة القائمة وتجدد المواجهة العسكرية بما يبدد المكتسبات الإنسانية المحققة حتى الآن؛ والثالث، وهو الأكثر إلحاحاً رغم ضعف ترجيحه حالياً، التوصل إلى تفاهم سياسي شامل ينفذ بموجبه قرار مجلس الأمن 2803 بالكامل، بما يفتح الباب أمام مسار إعمار حقيقي مقترن بأفق سياسي واضح لإقامة الدولة الفلسطينية. وأياً كان المسار الذي سيرجح مستقبلاً، فإن استمرار الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية وضآلة التقدم السياسي يظل العائق الأكبر أمام أي تعافٍ مستدام في القطاع.

قائمة المراجع

الأمم المتحدة، “إعادة إعمار غزة تتطلب أكثر من 71 مليار دولار خلال العقد المقبل، والتنمية البشرية تتراجع 77 عاماً”، أخبار الأمم المتحدة، أبريل 2026.
فرانس 24، “غزة بعد 9 أشهر من الهدنة… خطط إعادة الإعمار وإدارة القطاع تواجه تحديات أمنية وتمويلية كبيرة”، 11 يوليو 2026.
شبكة فلسطين للحوار / أخبار الأمم المتحدة، إحاطة نائب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن، 28 يوليو 2026.
عمرو درّاج، “غزة بعد الحرب… الصراع على إعادة الإعمار وإعادة تشكيل القطاع”، المعهد المصري للدراسات، 19 يوليو 2026.
الجزيرة نت، “طوابير التكايا وغياب الإعمار.. ملامح الوضع الإنساني في غزة بعد 1000 يوم من الحرب”، 3 يوليو 2026.
جريدة الأمة الإلكترونية، “تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة وآفاق التعافي المبكر”، 29 مايو 2026.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى