كتاب وشعراء

لَهيبُ الذّكرى.. بقلم القاص: صَلاحُ الدّينِ عُثْمَان

رَحَلَ عَنْ دُنْيَتِي رَفِيقُ دَرْبِي، كَانَ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ، وَمَا يَزَالُ الْحُزْنُ يُظَلِّلُنِي كَسَمَاءٍ دَاكِنَةٍ لَا أَرَى فُرْجَةً يُمْكِنُ مِنْ خِلَالِهَا نَفَاذًا.
تَمُرُّ الْأَيَّامُ رَتِيبَةً، وَأَرْتَالُ الْمُعَزِّينَ تُجَدِّدُ انْهِمَارَ دَمْعِي، فَتَقَرَّحَتْ عُيُونِي.
أَفْسَحْتُ الْمَجْلِسَ لِإِحْدَاهُنَّ، ذَاتِ وَجْهٍ مُشْرِقٍ، مَلَأَتِ الْمَكَانَ هَيْبَةً، لَعَلَّهَا ذَاتُ شَأْنٍ، أَوْ عَسَاهَا تَقْرُبُ لَهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَالْقَرِيبُونَ أَعْرِفُهُمْ.
يَبْدُو أَنَّهَا قَادِمَةٌ مِنْ سَفَرٍ.
ثُمَّ خَرَجَتْ لِبَعْضِ الْوَقْتِ، فَاقْتَرَبَتْ أُخْرَى تَحْمِلُ هَاتِفَهَا، وَفَتَحَتْ حَافِظَةَ الصُّوَرِ، وَقَرَّبَتْهَا مِنْ نَاظِرِي، وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا.
إِنَّهَا هِيَ… ثُمَّ حَوَّلَتِ الصُّورَةَ إِلَى مَنْ يَجْلِسُ إِلَى جِوَارِهَا.
إِنَّهُ الْمَرْحُومُ زَوْجِي، فِي وَسَامَتِهِ وَابْتِسَامَتِهِ الأَنِيقَةِ.
هَمَسْتُ إِلَيْهَا:
– مَا الْمُنَاسَبَةُ؟
فَهَزَّتْ كَتِفَيْهَا وَقَالَتْ:
– لَا أَدْرِي.
وَفِي نَظْرَةٍ ذَاتِ مَغْزًى جَعَلَتْنِي أُمْسِكُ بِهَا، فَقُلْتُ:
– كَيْفَ لَا تَدْرِينَ وَأَنْتِ تَحْتَفِظِينَ بِالصُّورَةِ؟
وَشَدَدْتُهَا أَكْثَرَ لِتَجْلِسَ لِصْقِي، فَقَالَتْ:
– هُنَاكَ عِلَاقَةٌ وَلَكِنْ…
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَادَتِ الْمَرْأَةُ، فَحَاوَلَتْ صَاحِبَةُ الْهَاتِفِ الْقِيَامَ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهَا.
وَالْتَقَطَتِ الْجِهَازَ الضَّيْفَةُ، وَأَلْقَتْ نَظْرَةً عَلَى الصُّورَةِ فَابْتَسَمَتْ:
– يَرْحَمُكَ اللهُ، كَانَتْ أَيَّامًا…
وَأَعَادَتْ لَهَا الْهَاتِفَ.
زَادَتْ دَهْشَتِي وَطَفِقْتُ أَحْرُثُ الْمَاضِي نَبْشًا، فَقَالَتْ:
– لَا تَرْكَنِي لِفِعْلِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ…
وَحَدَّثَتْنِي لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

بقلم: صلاح الدين عثمان
الإسكندرية 12 أغسطس 2026م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى