
روتين بنكهة النعناع
أبدأُ يومي من المقهى الشعبي،
حيث الطاولةُ المهزوزة
النادلُ يعرفني أكثر مما أعرفُ نفسي،
فهو يعرفُ أنني لا أطلبُ الشايَ لأشربَه،
بل لأنتظرَ معه شيئًا لا يأتي،
أحدّقُ في كوبِ الشاي
كأنه نافذةٌ على وطنٍ قديم
كنتُ فيه شخصًا يُضْحِكُ نفسه دون سبب.
أخرجُ،
أمشي ببطء،
كمن يختبرُ الرصيفَ أولَ مرةٍ
أصلُ إلى الحلاق،
أجلسُ دون موعد،
أقولُ له “خفّفْ قليلاً”،
فيُخفّفُ كلَّ شيء:
الشَّعرَ،
الصمتَ،
وحتى وزني على الكرسي.
في المرآة،
أبدو كأنني أخفي شيئًا في ظهري،
ربما ندمًا،
ربما قصةً قصيرةً لم تكتمل.
أدفعُ و أمضي،
أتوقفُ في محطةِ الانتظار،
كأنني أتمرّنُ على مغادرةٍ مؤجلةٍ
العجائزُ يعرفنَ أسماءَ السوّاق،
والشبابُ يرمونَ الساعاتِ في هواتفهم
كأنهم يريدون قتلَ الوقتِ
قبل أن يقتلَهم الانتظار.
الحافلةُ تصلُ،
وأصعدُ كمن يدخلُ فيلمًا صامتا
الروائحُ مختلطةٌ
عرقٌ،
حديثُ الأمس،
وموسيقى لا أحدَ يريدها.
الكرسيُّ ضيقٌ،
والزجاجُ يعكسني شاحبًا،
أحاولُ أن أكتبَ شيئًا في رأسي
عن رجلٍ لم يعدْ يشتاقُ لأحد
لكنه يحتفظُ بالوردِ اليابسِ في محفظته.
أنزلُ قربَ السوق،
أشتري نعناعًا وحباتِ هيل،
وتفاحًا يشبهُ أبي
المحاسبُ لا يبتسمُ،
وأنا لا أطلبُ منه أن يفعلَ،
فكلانا يعرفُ أن العالمَ ليس على ما يرام
لكن الخبزَ يجبُ أن يُشْتَرَى.
أعطي البقشيشَ،
أحملُ أكياسي كأنها أحلامٌ ثقيلةٌ،
وأمرُّ أمام المرآةِ في واجهةِ متجرٍ،
أرى وجهي ولا أُسلّمُ عليه.
فهو، مثلي،
يُحاولُ فقط أن يبدوَ بخير. عرض أقل