
في كتابين للمفكر وعالم الاجتماع علي الوردي هما” وعاظ السلاطين” و” مهزلة العقل البشري” وقد صدرا منتصف القرن الماضي، ركز الوردي على اشكالية النفاق في أوساط النخبة ــــــــــــــــ أطلق عليها: الأفندية ـــــ سواء كانوا مثقفين او متعلمين ومن شرائح المجتمع الأخرى وهم أكثر نخب العالم اغراقاً في الحديث عن المثاليات لكنهم يعيشون في واقع مناقض وفي حالات اكثر الجماعات سحقا لها في الممارسة كما في ثلاثية عشاق الفراشات والزهور والاطفال في الكتابة وفي الممارسة تحويل أجمل الطيور الى وجبة طعام.
هذه الشريحة أو الأفندية المثقفة ــــــــــــــــ حسب التفسير التبسيطي العراقي لمفهوم المثقف الذي لا يتطابق مع المفاهيم الثقافية العالمية للمثقف ـــــــــــ التي ينظر لها المجتمع بطهرانية هي أكثر شرائح المجتمع نفاقاً لكنها تمارسه بلغة” مثقفة” وتسوقه” بثقافة” بناء على وعد مسبق بأن المثقف يقول الحقيقة لكنها تمارس النفاق المعقلن بعد وضعه في اطار عقلاني وقشرة اخلاقية مزيفة وحبكة متينة للتسويق. هذا الاطار العقلاني يجنب المنافق المحاسبة ويتحول النفاق الى وجهة نظر لتهدئة الضمير والتأنيب الذاتي.
لقد تطورت هذه الخاصية اليوم ولم تعد ثنائية مبسطة ــــــــــ ازدواجية ــــــ كما في زمن الوردي وصار الشخص يحمل عشرات الشخصيات وتشظت الذات او الشخصية Personality fragmentation وصار الشخص يتنقل بين شخصياته بلا توعك وسلاسة كما في غرف منزله ولكل شخصية معايير ولغة واهداف.
من تجارب المنفى يمارس أبناء بلدة عراقية واحدة أو حزب واحد في المنفى نفس النفاق والعدوانية بغطاء ثقافي وسياسي لو تعرض أحدهم لمشكلة ويدخلون في الصراع بلا خلفية الحدث مما يثبت ان قيم التخلف محمولة في الداخل ولا تترك في المطار عند السفر ولا في الجواز ويتحول النفاق في المنفى كأداة حماية لكي لا يفقد الجماعة ولم يدخل في علاقة مع المجتمع الجديد لأن معاييره مخيفة ومقلقة وطارئة على مجتمع مختلف.
بعض هذه النماذج أسست في المنفى أندية ومنتديات ثقافية ــــــــــ كتحوير للمقهى والمضيف ـــــــ وواجهة لسرقة المخصصات الممنوحة للعقائد والثقافة ، ويتحول العنوان الثقافي للمنتدى كفخ للنفاق بعد” تثقيف النفاق” وعقلنته في إطار مقبول وخفي والمنتدى الثقافي هو الغلاف الأنيق غالباً للتحايل وهناك وثائق من مراكز البوليس والمحاكم والصحف في الدول الاسكندنافية عن هذا النوع من النفاق الثقافي وهذا” الوباء الثقافي” يرتحل من المركز الى أطراف العالم في” عولمة الزيف” وتم استبدال الرياء القبلي والمناطقي بالرياء الثقافي مما يجعل النفاق” مثقفاً” بأقنعة جديدة: كل ما يحدث في الوطن، يحدث في المنفى لأن العقل الرث نفسه ومن أنتج المشكلة هناك ينتجها هنا والتغيير الذاتي لا يحدث بتذكرة سفر ولجوء سياسي بل هو رحلة ذاتية نفسية شاقة وطويلة.
كمثال حقيقي تحول نصّاب عراقي وبائع سجائر متجول في” الباب الشرقي” في ساحة التحرير الى رئيس منتدى ثقافي في النرويج والى ” ناقد ” لأن هذه الدول تفتقد الى ذاكرة جماعية مع هؤلاء والى التدقيق في الماضي وصعوبة الحصول على معلومات في النظام السابق مما سمح لهذه الانماط المنتحلة من ” تأثيث هوية” جديدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة مما يجعل المنفي الحقيقي والهارب من الظلم يشعر بمطاردة مؤسسات النظام القمعي وشخصياته خلفه حتى في هذه الأمكنة الثلجية. ملحمة تجمع بين السخرية والمأساة وفرار بلا نهاية. كما صار عراقي آخر رئيس منظمة المثليين في النرويج بدعم مالي ومسيرات للشواذ وهو يرتدي اليشماغ والعقال العربي في مشهد للدونية المشفر.
لا نستغرب ان يتحدث او يكتب شخص ما عن الفساد وعن الحداثة وعن الثقافة وفي الوقت نفسه غارق في الفساد وفي ولاء القبيلة أو الجماعة أو الحزب والولاء يتطلب التسليم بالرأي ويرفض الاختلاف ويرفض الحقيقة اذا لم تنسجم مع القبيلة والجماعة.
هل النخبة منافقة بطيعتها وتكوينها؟ يعتقد الوردي ان نفاق النخبة ليس من طبيعتها بل هو “الدور” الذي يفرضه عليها المجتمع في أن تظهر بالمظهر المثالي وتمارس العكس، أي تحويل النفاق ليس كخطيئة أخلاقية بل هندسة اجتماعية مقبولة ومتفق عليها ولا يمارس النفاق هنا كخطأ بل كدور ووظيفة، أي تحويل الحقيقة الى زيف وبالعكس.
أي ان النفاق يمارس ليس لصناعة حقيقة، كما في الكذب، بل تحويل الحقيقة الى كذب وبالعكس وعندما نقبل النفاق بلا فحص ولا شك ولا تفكيك، فنحن نمارسه أيضا، أي يصبح سلعة تبادلية وكما يقول جاك ديريدا في كتابه” تاريخ الكذب”:
” عندما يشهد شخص ما على حادثة، فنحن نصدقه لا لأنه يعرف تفاصيل ما حدث بل لأننا ” نثق به” وهذا الوعد هو ما يجعل الكذب ممكناً”.
أي أن حقيقة الحدث لم تكن نتيجة بحث ودراسة ومعرفة بتفاصيل معقدة ومتداخلة وظروف متشابكة هائلة بل جاءت ” كوعد” في قول الحقيقة على طريقة سأثق بما تقول وليس بما سأكتشف بنفسي وهنا يمارس النفاق والكذب في لحظة واحدة دون وعي هذه المفارقة.
أي نصبح شركاء أيضاً في الكذب لأن الكذب يسكن في ” الرغبة” في الصدق حتى بلا دليل مادي. قد يتطلب الكذب مشقة ما لصناعة كذبة وتسويقها كما في مثل لسواق العراق القدماء الحكماء في الكراجات يقول” السفالة علم” أي تحتاج صناعة كذبة ثم حبكة وطريقة تسويق ونشرها في جماعة مع الطلب بالتستر المزيف عليها لخلق مفهوم” الشرف” المزيف، لكن النفاق لا يحتاج الى مشقة ويكفي أن تلتقي بفلان في الشارع أو المقهى وتعانقه وتشعره أنك حزنت لغيابه وعندما تفترق عنه تلعن اليوم الأسود الذي صادفك فيه ـــــــــــــــــــــ عرضة أرنب ، مثل عن الشؤم ـــــــــــ حتى لو كان طفلك معك وعاش حالتي الاحتضان واللعن وبهذه الطريقة” يورث” النفاق كتقليد وشطارة وليس كعاهة.
ممارسة النفاق النخبوي تتطلب مهارة ولغة خاصة للتسويق كما في مثل السواق لان اللغة المثقفة تلعب دورا حاسما في اخفاء الحقيقة وصناعة اخرى على طريقة” الكذب المصفط ـــــــــــ المنظم ــــــ أحسن من الصدق المخربط ـــــ المبعثر” كما في المثل المكسيكي وعندما يمارس لزمن طويل تخرج الأنا الفردية من حياتها الخاصة لتذوب في المجتمع وهو ما يحدث تشوهاً عاماً لأن المجتمع يريد الكذب المحبوك المنسق.
عندما يمارس النفاق على نطاق واسع يكتسب قوة الحقيقة وتتحول البراءة والوضوح والصدق الى انحراف ولا نصبح أمام فرد منافق بل أمام نظام ولا يعني حسب علي الوردي مرة أخرى أن النخبة الثقافية أو” الأفندية” أشرار بل
هم يمارسونه كآلية بقاء والبحث عن دور ومكانة لكن الخطورة أن” الأفندية” يملكون لغة تبرره وتسوقه في صناعة الأرشيف المزيف.
ــــــــــــ من ” دفاتر المنفى” سلسلة من 12 ألف مقال سيرة ذاتية فكرية ستنشر في مجلدات.