رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:الحلم والدولة أمران متناقضان

لماذا يخاف السياسي الفاسد والسارق ترك السلطة؟ يعتقد كثيرون ان تمسك الفاسد بالسلطة من باب الولع بالسياسة او لأجل مشروع أو قضية وهذا الاعتقاد الشائع خاطئ لأن السياسي الفاسد بعد أن أخذ حصته من الوليمة الكبرى وتحولت امبراطوريته المالية الى اخطبوط منتشر في عواصم العالم، هو أكثر الناس كراهية للسلطة وللسياسة.
عندما صار رجل المعارضة رجل دولة انتهت الاحلام وبدأت المساومات والصفقات والتسويات لأن الدولة والحلم أمران متناقضان بتعبير ألبير كامو.
الحلم نقاء ووضوح وعلنية وتضحية في حين الدولة مناورات وحيل وصفقات.
بالنسبة لحنة أرنديت الفساد السياسي ليس مجرد سرقة أموال بل هو إفساد لمعنى السياسة من فعل حر إلى أداة سيطرة وانهيار الثقة والعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في منحه الحقوق مقابل ان يخدمها بقانون واضح وهو العقد الذي تتأسس عليه شرعية العلاقة.
لماذا يكره السياسي الفاسد السياسة بعد الغنيمة الكبرى؟ كانت السياسة يوما بالنسبة له مشروعا ربحياً بغطاء وشعارات عقائدية وحققت أرباحها وحان وقت الاغلاق قبل الانكشاف أو الحساب. لعبة قمار ناجحة وحان وقت الإنصراف بتدرج لكن الخوف من المساءلة والعقاب لذلك السلطة ضرورية كحماية وليس كمشروع عام.
في منظور أرنديت ان الشفافية تتطلب العلنية والمساءلة والسياسي الفاسد يحب التخفي خلف أقنعة ويتهرب من المسؤولية وهو يرى في السلطة” كدرع وليس رسالة”.
حتى السياسي ” الثوري” الذي قضى حياته في خطاب عن الكادحين والفقراء والمهمشين، صار لا يقبل بلا أربعة رواتب في الأقل بعناوين مزورة من أموال الفقراء والكادحين وغيرهم. السلطة ولو على حقل دواجن تشيطن صاحبها. ممارسة السلطة ولو على فرد متعة.
لكن رجل السلطة الفاسد تحول من سياسي الى لص بغطاء سياسي ولم تعد السلطة بالنسبة له كمشروع دولة كما كان قد خلق هذا الوهم بل صارت مشروع حماية وغطاء لأن فقدان السلطة لا يعني الذهاب الى المنزل او المعارضة كما في دول العالم بل الذهاب الى المحاكم وربما المقاصل. أما بالنسبة للسياسي النزيه، فالخسارة عودة الى الحياة المنزلية بكرامة وطمأنينة وراحة ضمير مع محبة واحترام الناس.
هو يكره قطار السلطة لكنه يعشق غرفة القيادة التي لا تؤدي الى دار العدالة ويكره القضاء والجيش والشرطة والقوانين والاحزاب والناس ونفسه لكنه يحب هؤلاء اذا وفروا له الحماية. لا يكشف عن هذه الهواجس في مجتمع يعشق المظاهر ولا يبحث في الاعماق والتفاصيل.
السياسي الفاسد يعيش في رعب دائم لذلك يهرب الى الرموز او الى عقلية التخوين او رفع خطاب الاصلاح كمحاكاة ساخرة في ان يكون الفاسد مصلحاً وكلما ارتفع خطاب الوطنية مع واقع يناقضه تفوح روائح العفن وهكذا يجد نفسه في دورة مكررة من التعذيب الذاتي السري.
رجل السلطة المتحول من معارض ضد النظام السابق وقد يكون عاش في منفى أو في وطن، لم يعد هو نفسه بل حدثت تحولات وجودية وعضوية في طريقة تفكيره ويعيش هاجس الانكشاف والعقاب ويعيش مأزقه بصمت كجرح سري مقلق ومخيف وهو مأزق الخوف من خسارة السلطة كغطاء ومظلة وحماية وليس كمشروع سياسي.
لذلك هو لا يدافع عن موقعه القيادي في النظام ولا عن النظام ولا عن الدولة ولا عن المبادئ او السياسة بل هو في حالة دفاع غريزي وقصة حياة أو موت وحياة مرفهة أسطورية لكن تحت عناوين سياسية.
هؤلاء هم أكثر الناس كرها للسلطة والسياسة بعد الوليمة الكبرى لكنهم يعرفون جيداً أنهم بلا سلطة” سنسحق بالأرجل” كما قال أحدهم في مجلس خاص.
السياسة عند هؤلاء قناع للصراع حول الثروة والقوة والنفوذ وليست مشروع دولة وهم يدافعون عنها دفاعا انتحارياً غرائزياً لأن الخسارة تعني الهلاك وعبارة عن خطر وجودي وفقدان نظام مصالح من جيش وأمن ورجال قانون وحراس كان يؤمن لهم الحماية والغطاء وبلا ذلك هم في العراء المخيف كطرد من الفردوس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى