رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الخروج من المدفن السري

ـــــــ ما أصعب أن يكون المرء مبصراً في مجتمع أعمى.
*جوزيه ساراماغو، روائي برتغالي، نوبل.
الذين يعتقدون ان المجتمع تغير بعد تغيير النظام السياسي في أحداث عنيفة كالحرب او الانقلاب وحتى عن طريق الانتخابات أو الثورة ، هؤلاء يحاولون جعل الجهل بالتاريخ والانسان معرفة والرغبات حقائق،
وتحويل الوقت حسب تقويمهم، أي الفاصلة بين زمنين هو فرق ساعات او ايام ونكون دخلنا في تاريخ جديد وقصة حياة جديدة وهذا وهم الاوهام.
هؤلاء أفاقوا تواً على واقع لم يعرفوه وهو كان موجوداً لكنه مغطى بالقوة والاقنعة والتحاشي.
لا تتغير المجتمعات بين ليلة وضحاها كتغيير اثاث منزل،
من غير المعقول أن ينام الناس عبيداً وفي الصباح يكتشفون انهم صاروا احراراً.
السيدة الامريكية هاريت توبمان اسست جمعية سرّية لتحرير العبيد عام 1849م. تمكنت من تحرير 700 مستعبد تقريباً. عندما سُئلت :” ماهي اصعب خطوه واجهتك في انقاذ العبيد ؟ اجابت: ان تقنع العبد أنه ليس عبداً “.
قصة الحرية ليست رقصة شوارع ولا حذف يوم من التقويم، بل ان نظم القمع وخاصة القمع الطويل تحدث تغييرات عضوية وبنيوية في العقل البشري وشبكة مفاهيم ومخاوف وتشوهات وعادات تفكير ولغة تحاشي ومراوغة وتحفر انفاقا سرية نفسية داخل الفرد لكي يحقق احلامه المقموعة السرية في جسد تحول الى مدفن سري للاحلام المشروعة غير المتحققة. ينزل الجميع الى اعماق نفسية وتصبح العلاقات علاقات أقنعة وعند العاصفة والتحول ينقلب الجميع على الجميع.
تغيير عادة واحدة خارجية يحتاج الى شهور وربما سنوات فكيف بعادات عميقة نفسية تحولت الى خلايا عضوية ومسارات عصبية بل بعضها لا يتغير إلا عن طريق الجراحة عندما تتم ازالة مركز المخاوف العميقة والانحرافات العقلية.
حتى اليوم نمارس بعض العادات والتقاليد الجاهلية كالثأر، وكراهية ولادة الأنثى أو المبالغة في الضيافة على حساب حاجات العائلة ونصرة القريب ولو كان ظالماً،
بل توجد في الجنوب العراقي الكثير من العادات السومرية والبابلية حتى اليوم في أدوات الصيد والبناء والأساطير وفي نمط العيش وفي الامثال.
بعد سقوط الاندلس دخل المسلمون في السرية في المنازل، يصلون في البيوت ويذهبون للكنائس يوم الأحد،
حافظوا على الأسماء العربية في البيوت وأسماء أجنبية في الشارع.
اكتشف غورباتشوف اخر رئيس سوفيتي ان امه كانت تخبيء الكتاب المقدس خلف صورة في الجدار وهو زعيم الحزب الشيوعي.
فشلت الثورة الفرنسية وهي موجات بين عامي 1789 و1799 بسبب المجازر التي اقامها الثوار والصراع على السلطة وسيطرة العناصر المتطرفة ونزعة الانتقام وكذلك فشلت الثورة الروسية عام 1917 عندما تحولت على يد ستالين الى مؤسسة قمعية وتحويل الماركسية الخلاقة الى اجهزة امنية، وكل فكر يصبح مؤسسة يتحول الى قمع:
المؤسسة ثبات وقوانين وقواعد ونظام واجوبة جاهزة لكن الفكر سؤال وبحث وشك وتجاوز ومغامرة فكرية.
قال تولستوي:
” الخطأ الفادح الذي ارتكبه الثوار الذين هاجموا سجن الباستيل في الثورة الفرنسية في انهم يفتقرون الى الحب” بالمعنى الواسع للحب لان القلوب الغليظة الفظة لا تؤسس لثورة رغم الشعارات لكنها تؤسس لمسلخ بشري بعد استكمال مؤسساتها الامنية.
رفض الروائي فيكتور هيجو الانضمام للثورة الفرنسية لانه يعرف النتائج في حين أيدها ماركس رغم معرفته بفشلها لكنه كسياسي لا يمكنه الوقوف في وجه جماهير مقموعة وكتب كتابه” كومونة باريس”، وكانت النتيجة الاحتراب والمجازر والمقصلة وعودة النظام القديم.
العقل الذي يصدق أن العراقي ــــــــــــــــ والسوري أيضاً بعد عام 2024 ـــــــــ بعد لحظة 2003 لم يعد هو العراقي السابق،
وهذا المجتمع ليس السابق، هذا عقل أسطوري واهم وتخيلي وقد يكون
أفاق على واقع علني جديد بعد أن كان مختفياً في السراديب والانفاق النفسية ويطلق عليه كتاب الرواية: الواقع المحجوب.
عنف النظام السابق جعل الناس ينزلون للقيعان النفسية العميقة،
للتحاشي والهروب من قسوة الواقع، ومع النزول للقيعان العميقة هناك تعدد اللغات مع كل طرف أو جماعة أو شخص،
أي أن الشخص يتكلم بعشرات اللغات في اليوم الواحد للتجنب والهروب من العقاب والمشاكل، ومع طول الزمن تتحول هذه الشخصيات الى الداخل ويصبح الفرد الواحد” مجمّع شخصيات” ويتم الانتقال من شخصية الى اخرى بسلاسة ولا شعور كما يتنقل في غرف منزل، ويخلق شخصية لكل شخص وكل مناسبة، أما هو فلا وجود له: لا شيء. كائن متخيل بلا ” أنا” ولا” هوية” ولا شخصية بل عبارة عن ممثل يصلح لكل الأدوار في حياة تحولت الى مسرح يفتقر لرصانة السخرية وعمقها ولكنه في التحول يتقمص هوية الحشود الجديدة للحماية واثبات الذات وحتى الانتقام من عاره المعتق لكن في الاتجاه الخطأ.
تشظي اللغة هو مرض وجرح وألم داخلي حين تصبح اللغة أداة هروب وتحاشي لا أداة تواصل. كائن منشطر وموزع ومدفن سري وجسد ميكانيكي يتنقل بلا روح ولا أمل وتسيطر عليه فكرة النجاة لا الحرية كطريدة هاربة.
في الجسد أو المدفن السري او حاوية نفايات المشاعر والأفكار الداخلية يغذي في نفسه كل الأحلام والأوهام
وصور الانتقام التي يفشل في الواقع في تحقيقها ويمارس عقائده غير المرغوب فيها في الواقع الظاهري،
وعندما ينهار النظام يخرج هذا الكائن المقموع المشوه من الأنفاق
السرية الى ضوء النهار وهو في الحقيقة لم يتغير بل اقنعة سقطت،
خرج المقصي والممنوع والمحظور الى العلن،
وخرجت من الجحور المجاورة مخلوقات مختفية، وصُدم الجار بسلوك جاره القديم والصديق بصديقه، وأبناء هذا الشارع بالشارع المجاور:
خلال المذابح الجماعية في رواندا في عام 1994 قامت جماعة الهوتو بمجازر وحشية ضد قبيلة توتسي وصلت الى 800:000 ضحية في أيام من غير الاغتصابات الأمر الذي حير علماء النفس والاجتماع:
كيف يمكن لهذا أن يحدث ويقتل الجار جاره وصديقه وزميله وشريكه في العمل وكانت العلاقات في الظاهر طبيعية؟
بعد دراسات عميقة إتضح ان هذه الجماعات كانت تعيش الضغائن والاحلام في المدفن السري، المخبأ النفسي، وكل هذا خرج الى العلن ما ان تداعى النظام.
في الحقيقة أن هؤلاء لم يتغيروا بل هي أقنعة سقطت وسراديب نفسية إنهارت وهم خرجوا من العتمة الى الضوء، من المدافن النفسية الى العلنية بعد رفع المكبس عن العفن المخفي والبالوعة، وعلى ضوء علاقات القوة والسلطة الجديدة، إختلفت أدوار هؤلاء ولم يتغيروا،
بل خُلقت تراتبية اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة.
في مجتمعات القمع يقول علماء نفس كبار يمكن ان يتواجد في الشخص الواحد مئات الشخصيات بل بعضهم قال ثلاثة آلاف شخصية بقدر عدد الاشخاص الذين يتعامل معهم حسب شخصياتهم لا شخصيته.
مخلوقات العتمة خرجت من الظلام الداخلي الى ضوء النهار،
وصُدم الجميع عندما إكتشفوا أنهم كانوا في مسرح لا في واقع:
ممثلون متنكرون يرمون الأقنعة ويتعرفون لأول مرة على وجوه بعضهم السرية.
مهمة السيدة الامريكية هاريت توبمان شاقة في الاقناع وستظل شاقة. عندما يدخل مرضى وعصابيون في سلطة، يصبح هذا الدخول كاطلاق نار في حفل موسيقي أو كلطخة براز في فستان سهرة أبيض. الثورة صناعة عشاق الحياة والطبيعة والعدالة والحرية.
محاولة اقناع مخلوقات المدفن السري عن طريق النصائح والكلمات وحتى الشتائم والمعارات كمحاولة اقتاع تمساح ان الحديقة أفضل من بحيرة الوحل واقناع ثور هائج في محل للزجاج ان الموسيقى أفضل من لغة القرون وتكسير الزجاج. ان “مسخ “كافكا المتحول حشرة فشل في أن يتغير لأن السلطة حولته حشرة ومات على هذا الأساس.
من الممكن اخراج سجناء نظام قديم من الزنازين لكن الاصعب اخراج نزلاء المدفن السري من دفن حياة حقيقية لعشرات الأعوام وكل الشخصية ترتكز عليها وقد تحطمت فيها قيم ومشاعر وعواطف ومبادئ كثيرة وتعفنت، وتحتاج الى اعادة صياغة من جديد كطفل يتعلم المشي والكلام لاول مرة .
يمكن التعود على القمع لكن من الصعب جدا تعلم الحرية لانها كالحليب يجب ان ترضعها من اليوم الاول واغنية المهد واذا جاءت متاخرة تصبح كحفلة عيد ميلاد لمحتضر لانها تحتاج الى ذات مكتملة الصحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى