علي أبوحبلة يكتب:اتفاق مكة والإسلام السياسي.. من صراع الأيديولوجيا إلى تحالف المصالح الاستراتيجية

يشكل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تحولًا لافتًا في خريطة التحالفات الإقليمية، ليس فقط من حيث أبعاده الأمنية والعسكرية، وإنما أيضًا لما يثيره من أسئلة حول مستقبل النظام الإقليمي، ودور الإسلام السياسي، وموقع جماعة الإخوان المسلمين في معادلة التحولات الجارية، ولا سيما في ظل الدور المتنامي لتركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقد جاء الاتفاق في سياق إقليمي بالغ التعقيد، وتزامن مع تصاعد المخاطر الأمنية وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الاتفاق يقوم على تعزيز التعاون الدفاعي، وعلى مبدأ أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الأطراف يمثل اعتداءً عليها جميعًا، في خطوة تعكس انتقال العلاقات بين الدول الثلاث إلى مستوى أمني واستراتيجي أكثر تقدمًا.
الإسلام السياسي.. من مشروع السلطة إلى مشروع النفوذ
لا يمكن فهم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين من دون التوقف أمام صعود الإسلام السياسي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين، التي شكلت منذ نشأتها أحد أهم التيارات السياسية والاجتماعية العابرة للحدود في العالم العربي والإسلامي.
غير أن تجربة ما بعد عام 2011 أظهرت حدود قدرة الإسلام السياسي على الانتقال من العمل الدعوي والتنظيمي إلى إدارة الدولة. فقد اصطدم المشروع الإخواني بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، وأدى ذلك إلى تراجع حضور الجماعة في بعض الدول، في مقابل استمرار تأثيرها السياسي والاجتماعي والإعلامي في ساحات أخرى.
وفي هذه البيئة برزت تركيا بوصفها إحدى أهم الدول التي احتضنت شخصيات وقوى مرتبطة بالإسلام السياسي، وهو ما أدى إلى توتر كبير في علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر خلال مراحل سابقة. وتؤكد دراسة أكاديمية منشورة عام 2026 أن صعود حزب العدالة والتنمية ارتبط بتقارب تركي مع الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان خلال مرحلة الربيع العربي، قبل أن تبدأ أنقرة لاحقًا مسارًا لإعادة بناء علاقاتها مع دول الخليج.
أردوغان.. زعيم الإسلام السياسي أم زعيم دولة إقليمية؟
من المهم هنا التمييز بين الوصف السياسي والواقع التنظيمي.
فليس دقيقًا، من الناحية العلمية والتنظيمية، وصف أردوغان بأنه «الزعيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين»؛ إذ لا توجد قيادة تنظيمية عالمية واحدة للجماعة يتولى أردوغان رئاستها. لكن من الصحيح سياسيًا أن تركيا في عهد أردوغان أصبحت واحدة من أبرز مراكز الثقل في المجال السياسي للإسلام السني، وأن أنقرة أقامت علاقات وثيقة مع قوى وشخصيات محسوبة على الإسلام السياسي.
وهذا الفارق مهم؛ لأن أردوغان لا يتحرك باعتباره قائد تنظيم عابر للحدود، وإنما باعتباره رئيس دولة إقليمية تمتلك جيشًا قويًا، واقتصادًا مؤثرًا، وصناعات دفاعية متقدمة، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية.
ومن هنا تكمن قوة الدور التركي: تحويل النفوذ الأيديولوجي والثقافي إلى أدوات جيوسياسية تخدم مصالح الدولة التركية.
المفارقة السعودية ـ التركية
لعل أبرز ما يكشفه اتفاق مكة هو أن المصالح الاستراتيجية للدول يمكن أن تتجاوز خلافاتها الأيديولوجية.
فالسعودية كانت تاريخيًا شديدة التحفظ تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بينما ارتبطت تركيا بعلاقات سياسية مع تيارات وشخصيات إخوانية. وقد كان الموقف التركي من الرئيس المصري الراحل محمد مرسي وجماعة الإخوان أحد مصادر التباين الأساسية بين أنقرة والرياض في مرحلة سابقة.
لكن العلاقات السعودية ـ التركية شهدت خلال السنوات الأخيرة مسارًا واضحًا نحو التطبيع والتعاون، وصولًا إلى الشراكة الدفاعية الجديدة. وتظهر البيانات الرسمية التركية والسعودية أن البلدين عملا منذ سنوات على تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي.
وهنا تكمن دلالة اتفاق مكة: السعودية وتركيا لم تتفقا بالضرورة على المرجعية الأيديولوجية، ولكنهما اتفقتا على المصالح الاستراتيجية.
وهذه قاعدة أساسية في العلاقات الدولية؛ فالدول لا تبني تحالفاتها على التطابق الفكري، وإنما على تقاطع المصالح والتهديدات والأهداف.
هل يمثل اتفاق مكة انتصارًا للإسلام السياسي؟
الإجابة تحتاج إلى قدر كبير من الموضوعية.
الاتفاق ليس اتفاقًا إخوانيًا، ولا توجد معطيات موثوقة تجيز القول إن جماعة الإخوان المسلمين هي الطرف الحقيقي أو الخفي في الاتفاق. فهو اتفاق بين ثلاث دول ذات سيادة، تحكمه اعتبارات الأمن القومي والردع والدفاع المشترك.
لكن وجود تركيا في قلب هذا التحالف يمنح الاتفاق بعدًا سياسيًا إضافيًا؛ فأنقرة تمثل نموذجًا مختلفًا في تعاملها مع الإسلام السياسي، وتحتفظ بعلاقات سياسية مع قوى إسلامية لا تحظى بالعلاقات نفسها مع بعض الدول العربية.
ومن ثم يمكن القول إن اتفاق مكة لا يمثل انتصارًا للإخوان، لكنه يعكس تراجع قدرة الخلاف الأيديولوجي على تعطيل المصالح الاستراتيجية للدول.
وهذا تطور بالغ الأهمية.
من «الربيع العربي» إلى الواقعية السياسية
تبدو المنطقة اليوم مختلفة جذريًا عن مرحلة ما بعد 2011.
فتركيا التي دخلت في صدامات إقليمية واسعة بسبب دعمها لقوى الإسلام السياسي، بدأت منذ سنوات إعادة ترتيب علاقاتها مع دول الخليج ومصر. وفي المقابل، أصبحت السعودية أكثر انفتاحًا على بناء شراكات استراتيجية متعددة، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية.
وتشير دراسة حديثة إلى أن التقارب التركي ـ الخليجي ارتبط بصورة متزايدة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، رغم استمرار الاختلافات الأيديولوجية.
وبذلك يمكن القول إن المنطقة تنتقل من مرحلة الاستقطاب الأيديولوجي إلى مرحلة الواقعية السياسية.
وهذا لا يعني اختفاء الإسلام السياسي، وإنما إعادة تعريف دوره.
فبعد أن كان الرهان على الوصول إلى السلطة، أصبح الرهان في بعض الحالات على التأثير في القرار السياسي، والإعلام، والمجتمع، والعلاقات الإقليمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة السيطرة المباشرة على الدولة.
تركيا.. محاولة الجمع بين الدولة والأيديولوجيا
أردوغان يدرك أن قوة تركيا لا يمكن أن تقوم على الأيديولوجيا وحدها.
تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتتعامل مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج، وتمتلك مصالح اقتصادية وأمنية تتطلب براغماتية واسعة.
وفي الوقت ذاته، تستخدم أنقرة خطابًا إسلاميًا وسياسيًا قويًا، وتقدم نفسها بوصفها دولة ذات حضور في قضايا العالم الإسلامي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وبذلك تحاول تركيا الجمع بين قوة الدولة القومية ورمزية الإسلام السياسي.
وهذا ربما يكون جوهر الاستراتيجية الأردوغانية: ليس إقامة «دولة إخوانية» ولا قيادة تنظيم عالمي، وإنما بناء نفوذ تركي واسع داخل فضاء سياسي واجتماعي إسلامي متنوع.
فلسطين.. الاختبار الحقيقي
تبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأهم لأي ترتيبات إقليمية جديدة.
تركيا تبنت موقفًا داعمًا للقضية الفلسطينية، ولها علاقات سياسية مع حركة حماس، بينما تتحرك السعودية من خلال ثقلها العربي والإسلامي والدبلوماسي، ومن خلال رؤية تركز على إقامة الدولة الفلسطينية والحل السياسي.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل اتفاق مكة إخواني أم غير إخواني؟
بل:
هل يستطيع هذا التحالف الجديد أن يتحول إلى قوة سياسية قادرة على حماية القضية الفلسطينية، ومنع فرض حلول تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ودعم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية؟
فإذا بقي الاتفاق في حدود التعاون الدفاعي، فإنه سيظل تحالفًا أمنيًا مهمًا. أما إذا تطور إلى إطار سياسي واقتصادي واستراتيجي أوسع، فقد يصبح أحد أهم مراكز القوة في العالم الإسلامي.
الخلاصة
إن اتفاق مكة يعكس تحولًا مهمًا في العلاقات الإقليمية؛ إذ جمع السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار دفاعي واحد، رغم اختلافاتها السياسية والأيديولوجية السابقة. وتبرز أهمية الاتفاق في أنه يؤشر إلى مرحلة جديدة تتقدم فيها المصلحة الاستراتيجية على الاصطفاف الأيديولوجي.
أما جماعة الإخوان المسلمين، فإنها تواجه مرحلة مختلفة من تاريخها؛ فمشروع الوصول إلى السلطة تعرض لانتكاسات، لكن التيار الإسلامي السياسي لم يختفِ من المشهد، وإنما يعيد إنتاج أدوات تأثيره وفق الظروف الجديدة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف أردوغان، ليس بوصفه «الزعيم العالمي للإخوان» بالمعنى التنظيمي، وإنما بوصفه قائد دولة إقليمية كبرى استطاعت أن تجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية والنفوذ السياسي والعلاقات مع تيارات الإسلام السياسي.
ولذلك فإن أهمية اتفاق مكة لا تكمن فقط في بنوده الدفاعية، بل في كونه قد يكون مؤشرًا على ولادة صيغة جديدة للتحالفات الإسلامية الإقليمية، تتعايش فيها الدولة مع الاختلاف الأيديولوجي، وتتحول فيها المصالح المشتركة إلى قاعدة لإعادة تشكيل موازين القوى.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الصيغة في إنتاج نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقلالية، أم تتحول إلى محور جديد من محاور الصراع؟
الإجابة ستتحدد بمدى قدرة أطراف الاتفاق على تحويل القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية إلى مشروع استقرار إقليمي، وفي مقدمة ذلك حماية القضية الفلسطينية ورفض تصفيتها.