رؤي ومقالات

د. أيمن منصور ندا يكتب:أن تكون نشأت الديهي واعظ المؤخرات، ودبّ الفضائيات

في 20 فبراير 2016، سبقني الأستاذ نشأت الديهي بخمس سنوات إلى حديقة الحيوان الإعلامية، وأطلق على بعض إعلامنا وصف “إعلام الدببة”.. كان يقصد الإعلام الذي لا يحتمل نقد أحد في الدولة، وقال يومها إنَّه إعلام لا يحب مصر بقدر ما “يحب السلطة”، وإنَّه، من فرط دفاعه عنها، يضرها.. ودارت الأيام؛ وفي 26 مارس 2021 وصفتُ أداء الديهي وأحمد موسى بـ”إعلام البغال”، فأقام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الدنيا ولم يقعدها، وكان الديهي نفسه واحداً من أعضائه.. ولم أفهم سر الحساسية؛ فالدببة والبغال قرايب ونسايب، لكن يبدو أنَّ تسمية الفصائل من اختصاص المجلس وحده، والمجلس أدرى بالتوصيف المناسب!
المهم هنا ليس الحيوان، بل التعريف؛ فالديهي قدّم عام 2016 تشخيصاً ممتازاً للإعلام الرديء: إعلام ينتظر السلطة لكي تخبره بمن يجوز انتقاده، ثم يتوهم أنَّ ذلك هو الوطنية.. وفي 2024 خرج الديهي نفسه معلناً أنَّه “منحاز تماماً” للدولة، ومقرراً أنَّ “الدولة لم تخطئ”، وأنَّ الظروف وحدها فرضت ما جرى.. احتاج الأمر ثماني سنوات كاملة لكي يتحول طبيب الإعلام اللوذعي إلى واحد من مرضاه.. أخطأ الديهي حين ظن أنَّ مناعته أقوى من الداء؛ حذَّر من “إعلام الدببة”، ثم استوفى بنفسه شروط العضوية في الفصيلة التي اخترع اسمها.. وهكذا، أصبح من اكتشف دببة الإعلام، واحداً من أشهر دببه!
ولكي نفهم كيف انتهى مكتشف “الدببة” إلى عضوية الفصيلة، ربما يجدر أن نرجع قليلاً إلى البداية؛ لكنَّ البداية نفسها لا تبدد الحيرة، بل تزيدها؛ فأنت أمام كتالوج وظائف يصعب أن تصدق أنَّه يخص رجلاً واحداً.. ظهر في لقاءاته القديمة “الدكتور نشأت الديهي”؛ أما ما يأتي بعد “الدكتور” فكان أكثر حركة: مرة “خبيراً اقتصادياً”، ومرة “خبير اقتصاد وبورصة”، ثم “أستاذاً للعلوم السياسية”، و”مديراً” ثم “رئيساً لمركز دراسات الثورة”، و”خبيراً بالشئون السياسية”، و”متخصصاً في الشأن التركي”، و”مستشاراً إعلامياً لمجموعة دبي العالمية”، حتى قدمته “دريم” بالصفة الساحرة: “الباحث في خفايا الأحداث”! وفي كل هذه الحالات، كان “الدكتور” ثابتاً في المقدمة؛ أما التخصص، فكان متغيراً، ويتمتع بمرونة أكبر، إذ يتبدل حسب موضوع الحلقة.. والأطرف أنَّ بعض هذه الألقاب يقودك إلى الديهي أسرع مما يقودك إلى المؤسسات أو المؤهلات التي تقف خلفها؛ وكأنَّ سيرته نفسها تحتاج إلى “باحث في خفايا الألقاب” لتفسيرها..
رغم ذلك، فإنَّ كثرة الألقاب لا تصنع مذيعاً.. وبالورقة والقلم، وبكل لغات الدنيا، وبالأقسام المغلظة، يصعب اعتبار الديهي إعلامياً بالمفهوم المهني للكلمة؛ فأقصى ما يمكن قوله إنَّه “ضيف ثقيل ضل طريقه إلى مقعد المذيع” ؛ فالشاشة تختبر ما لا تكتبه بطاقة التعريف: الاستماع، وإدارة الحوار، وضبط الانفعال، واحترام عقل المشاهد، والأهم القبول، وهنا تخذله الأدوات؛ فما تمنحه له الألقاب تسحبه منه الشاشة بمجرد أن يبدأ الكلام..
على الشاشة، لا يجلس نشأت أمام الكاميرا بقدر ما يتحفز لها.. جسده كله يدخل في المرافعة: النبرة تسبق الفكرة، والوجه يصدر الحكم قبل نهاية الجملة، واليد تتحول عند الاحتدام إلى علامة تعجب إضافية.. لا يحتمل الديهي الصمت؛ كأنَّه ثغرة قد يتسلل منها رأي آخر، والعياذ بالله.. هو لا يدير إيقاع الشاشة؛ بل يحتله.. وحتى حين يجلس منفرداً، يؤدي كأنَّ أمامه خصماً يجب هزيمته قبل الفاصل، وقبل أن ينادي:”يا إبراهيم: اللهم ذكّرني”! المعروف أنَّ المذيع المحترف يناقش فكرتك؛ أما الديهي فيناقش أهليتك لامتلاك الفكرة أصلاً، وسرعان ما ينتقل من تفتيش الفكرة إلى تفتيش درجة وطنيتك.. والمفارقة أنَّ هذا الأداء يخرج من رجل يحب تقديم نفسه “راجل مثقف ومستوعب الأشياء وقاري”..لكنَّ الكتب عند أول غضبة تبدو مسكينة: دخلت عقلاً مزدحماً بالصوت فلم تجد مكاناً للجلوس.. وربما قرأ الرجل الكتب كثيراً، لكنَّ الكتب لم تقرأه بما يكفي..
ولو أردنا رسم المعارضين بألوان الديهي، فلن نحتاج إلى رسام؛ يكفي أن نجمع مفرداته: “نطفة محرمة”، “رحم موبوء”، “أدب المؤخرات”، “غانية تعمل في حانة”، “أولاد حرام”، و”نعل”.. قاموس تشريحي وأخلاقي كامل، ينقصه فقط أن يتذكر صاحبه أنَّه يقدم برنامجاً سياسياً اسمه “بالورقة والقلم”، لا محضر خناقة بعد منتصف الليل.. يبدأ الرجل حديثه من أعلى الهمة، ثم تأخذه مفرداته في رحلة هبوط اضطراري حتى أسفل الجسد.. وليست المشكلة في “قلة الأدب” وحدها؛ فالمشاهد يستطيع علاجها بزر الريموت، المشكلة أنَّ البذاءة لا تقوِّي الحجة؛ هي فقط تكشف عجزها.. وحين لا تستطيع أن تهزم الفكرة، تفتش في جسد صاحبها.. والديهي لا يهزم الفكرة؛ يجر صاحبها إلى القاع ثم يعلن أنَّه انتصر هناك.. ناسياً ومتجاهلاً أنَّه إذا كانت الحجة قوية، فهي لا تحتاج إلى مؤخرة لكي تسندها.. وبديهي أنَّ من يهتم بالمؤخرات طويلاً، لا يحق له أن يحدثنا كثيراً عن علو الهمة..
والوطن في خطاب الديهي يتحول دائماً إلى رخصة لغوية مفتوحة: يصرخ باسمه، ويؤدب باسمه.. وتُمنح الإهانة حصانة وطنية لأنها موجهة إلى “الخصوم”.. وكأنَّ الدولة تحتاج لكي ندافع عنها إلى تعليق الأخلاق مؤقتاً على باب الاستوديو.. وهنا يصبح “إعلام التأديب والإصلاح والتهذيب” أدق توصيف لطريقته: فهو لا يسعى إلى إقناع المختلف بقدر ما يريد أن يجعله يدفع ثمن اختلافه.. لا يقول له فقط “أنت مخطئ”، بل يضيف: أنت ناقص الوعي، أو مشكوك في دوافعك، أو تحتاج إلى إعادة تربية.. وهكذا يتحول ناظر المدرسة إلى مأمور مؤسسة إصلاح وتهذيب، ثم إلى “مفتي الوطنية”: هذا وطني، وهذا مشبوه؛ هذا فاهم، وهذا مغيب… والأخلاق هنا لا تعمل قيداً على المذيع بقدر ما تصبح أداة لضبط الجمهور..
وفي مفارقة تكاد تلخص المدرسة كلها، أصبح الديهي في 2020 عضواً في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ثم خرج بعد أشهر معتذراً لجمهوره عن ارتفاع صوته وعن تلفظه “ببعض الألفاظ”! جلس الديهي عضواً في الجهة التي تنظم الأداء الإعلامي، ثم اعترف بأنَّ أداءه نفسه يحتاج أحياناً إلى تنظيم.. ولو أجرينا مراجعة داخلية لقاموس عضو المجلس، لوجدنا أنَّ كثيراً مما ينطق به يعتبر مخالفات تستوجب إجراءً تصحيحياً عاجلاً.. الديهي جيد في تصحيح أوراق الآخرين؛ المشكلة تبدأ حين تكون ورقة الإجابة ورقته!
ومع ذلك، فالشتائم مجرد عَرَض؛ المرض الحقيقي يكمن في طريقة التفكير.. ففي 2018 شرح فلسفة قناة (تن) بأنها “داعمة للدولة المصرية دون شروط”، ثم قال إنها تريد للناس أن تفكر “بشكل مطلق وبلا قيود”! معادلة لو عُرضت على علماء الرياضيات لأعادوها إلى نشأت باعتبارها “غير قابلة للحل”: فكّر بلا قيود، بشرط أن تؤيد بلا شروط.. تستطيع أن تتحرك كما تشاء داخل الأتوبيس، لكنَّ الأتوبيس نفسه يسير في اتجاه واحد.. وتحدث أيضاً عن “عقد غير مكتوب” مع ملاك القناة في سياق دعم الدولة.. ولعلَّ أصدق وثيقة في تجربة نشأت الديهي هي العقد الذي قال إنه لم يُكتب.. لكنَّ العقد غير المكتوب يفتح سؤالاً مكتوباً بالبنط العريض: من هم الملاك؟ ومن يدفع فاتورة قناة لا تبدو إعلاناتها كافية لتغطية تكلفتها؟ ومن أي جيب تخرج أجور من يقدمون هذا “الدعم بلا شروط” على شاشتها؟ السؤال هنا ليس فضولاً محاسبياً؛ فمن يدفع للإعلام يظل جزءاً من قصته التحريرية، حتى لو لم يظهر اسمه على الشاشة.. العقد غير مكتوب، والمالك غير ظاهر، والإعلان لا يسدد الحساب؛ ويبقى الشيء الوحيد الواضح تماماً هو المطلوب على الشاشة: دعم الدولة بلا شروط..
والمشكلة في “الدعم بلا شروط” ليست أنَّه دعم؛ بل في أنَّه بلا شروط.. الإعلام المؤيِّد لا يفيد الدولة إلا إذا عرف الجمهور أنَّه قادر أيضاً على أن يقول لها: أخطأتِ.. أما إذا كانت النتيجة مضمونة قبل عرض الوقائع، فالحوار يصبح ديكوراً، والتأييد يفقد الشيء الوحيد الذي يمنحه قيمة سياسية: المصداقية.. وقد يتحصن الديهي بالحجة الجاهزة: نحن في “حرب إعلامية”، والحرب تحتاج إلى الشراسة لا إلى رقة الصالونات.. حسناً؛ لكنَّ الحرب الإعلامية لا تعفي المذيع من المهنية، بل تجعل المهنية سلاحه الأهم.. فالجندي الذي يطلق النار في كل اتجاه لا يصبح بطلاً؛ يصبح خطراً على وحدته.. وإذا كذب الإعلام المعادي، فالمطلوب أن تكشف كذبه بالحقيقة، لا أن تمنح نفسك رخصة للكذب أو الشتيمة؛ وإذا هاجم الدولة، فلا يصبح كل من ينتقد قراراً حكومياً طابوراً خامساً.. الحرب الإعلامية لا تُكسب بالحنجرة؛ لأن أول ضحايا الصراخ المستمر هو مصداقية الصارخ نفسه..
ولهذا يظل اسم برنامجه “بالورقة والقلم” من أجمل مفارقات التجربة؛ فالورقة والقلم أداتا مراجعة وحساب، وقد تقودان صاحبهما إلى اكتشاف أنَّه أخطأ.. لكن عند الديهي كثيراً ما تسبق النتيجةُ الحسابَ، وتبقى الورقة والقلم على المكتب شاهدين صامتين على أنَّ المرافعة جرت بالحنجرة.. والنتيجة هنا تسبق السؤال، واليقين يسبق الحساب.. ولهذا لا يضيف الديهي في الغالب مؤيِّداً جديداً بقدر ما يرفع حرارة المؤيِّد القديم..
وقد يكون أسلوب الديهي مفيداً في المعارك القصيرة: رد سريع، وصوت مرتفع، وتعبئة جاهزة، لكنه مكلف على المدى الطويل؛ فالدولة لا تحتاج فقط إلى شخص يدافع عنها، بل إلى شخص يُصدَّق حين يدافع عنها.. ومن يدافع عن الصحيح والخطأ بالحماسة نفسها يستهلك مصداقيته بالتقسيط.. وهنا يعود إلينا نشأت الديهي سنة 2016 ليؤدي أفضل أدواره: شاهد إثبات ضد نسخته اللاحقة.. كان يقول إنَّ الإعلام الذي يحب السلطة أكثر مما يحب مصر يضر السلطة.. وكان محقاً؛ فالإعلام الذي ينتظر السلطة لكي تخبره أين يوجد الخطأ لا يراقب السلطة؛ يراقب شفتيها.. والدولة التي لا تسمع إلا من يطمئنها تفقد جهاز الإنذار..
لم يكن الديهي أول من غيَّر انتمائه الأيديولوجي، وانتقل من موقع قديم إلى موقع أكثر انسجاماً مع الأوضاع الجديدة؛ فالقائمة في مصر طويلة.. المفارقة أنَّ “البطحة” قد تتحول أحياناً من نقطة ضعف إلى مؤهل وظيفي؛ فصاحب الماضي الذي يحتاج دائماً إلى تفسير، أو الصفحة التي يتمنى ألا يعاد فتحها، يكون، نظرياً على الأقل، أكثر حرصاً على الالتزام بالنص وأقل ميلاً إلى الارتجال خارجه.. وفي بلد تعرف أجهزته (العليمة ببواطن الأمور، وربما بمقاسات ملابسنا الداخلية أيضاً) أكثر مما نعرفه نحن عن أنفسنا، يصبح السؤال مشروعاً: هل تُختار بعض الوجوه رغم “بطحاتها”، أم بسببها؟ أسماء بارزة في الإعلام والجامعات والنقابات تجعل السؤال أبعد من أن يكون افتراضاً عبثياً.. فالصفحة التي تُضعِف صاحبها أمام الناس قد تزيد، في بعض الوظائف، من قيمته أمام من يريد ضمان انضباطه.. وما الديهي عن هذا السؤال ببعيد..
خسرت الدولة كثيراً حين اختارت نشأت الديهي ضمن منتخبها الإعلامي، بينما ربح هو كثيراً من هذا الاختيار.. منحته الدولة من حضورها وهيبتها ومساحتها، فزاد رصيده الشخصي؛ لكنه، في المقابل، أنفق من رصيدها في المصداقية، حتى بات السحب على المكشوف.. وكلما ازدادت حاجته إلى إثبات ولائه، ارتفع صوته، واشتد هجومه على ماضيه، واتسع قاموس شتائمه؛ كأنَّ شهادة الولاء لا تكتمل إلا بمحو آثار المرحلة السابقة.. والنتيجة أنَّ رصيده كان يرتفع، بينما تدفع الدولة الفاتورة من مصداقيتها..
حين تُغلق الدفاتر، ونقيِّم تجربة الديهي ككل، نقول: إنَّه مفيد في حرب الشوارع الإعلامية؛ أما الحروب الكبيرة، فلا تكسبها الحناجر، بل المصداقية والمهنية.. الديهي قد يُسكت خصماً، لكنه لا يحوله إلى مقتنع؛ وقد يكسب للدولة معركة صغيرة، بينما يجعلها تخسر جزءاً كبيراً من قدرتها على الإقناع.. والدولة القوية لا تحتاج مذيعاً يشتم خصومها باسمها؛ وإنما تحتاج إعلاماً يجعل خصومها يصدقونه عندما يقول بالمنطق إنَّها على حق.. وهذه هي المسافة بين الإعلام والدعاية، وبين الإقناع والتأديب، وبين “الورقة والقلم” و”الإعلام الحنجوري”.. أما الدببة والبغال، فيمكن أن نختلف حول أيهما أدق وصفاً؛ لكنَّ المؤكد أنَّ حديقة الحيوان لا ينبغي أن تكون بديلاً لكلية الإعلام.. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى