محمد خوجه يكتب :الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران: تسارع التحول للقرن الاوراسي الثاني

تكشف القراءة الجيوسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران، في الفترة بين 28فيفري والسابع من أفريل، على مضامين أعمق من مجرد أزمة عابرة، بل علامة على إنتقال الصراع على أوراسيا من مستوى “المنافسة الباردة”، إلى مستوى توظيف مكثّف لأوراق القوة الجغرافية، وفي مقدمتها المضائق وطرق إمداد الطاقة.
يمكن النظر إلى التحولات الجيوسياسية الراهنة في الخليج والشرق الأوسط ضمن إطار أوسع، هو ما يسميه هال براندزHal Brands بـ“القرن الأوراسي الثاني”، بوصفه إمتداداً وتحوّلاً لمنطق الصراع الذي حكم “القرن الأوراسي الأول” منذ بدايات القرن العشرين. ففي حين تمحورت حروب الهيمنة السابقة حول منع قيام قوة مهيمنة على الكتلة الأوراسية، يكشف السياق الراهن عن عودة منطق المنافسة الكبرى بصيغ جديدة، تتداخل فيها الأبعاد القارية والبحرية والصلبة والرمزية، بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران كحلقة مفصلية، تُسرِّع إعادة تشكيل موازين القوى في الخليج ومضيق هرمز، وتسلّط الضوء على هشاشة أمن الطاقة والنظام الدولي، في ظل تصاعد تفاعل محور صيني–روسي–إيراني، مع محاولة أميركية للإبقاء على أوراسيا مجزأة، وتحت سقف غربي ليبرالي قائم على السيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
1-دينامية القرن الأوراسي الثاني
يُعد هال براندز أحد أبرز علماء السياسة والاستراتيجية المعاصرين في الولايات المتحدة، وهو باحث مقيم في معهد أمريكان إنتربرايز. ركز في أعماله على الديناميكيات طويلة الأمد للقوة الأمريكية، والمنافسة بين القوى العظمى، وصياغة الاستراتيجية الكبرى في عصر الاضطراب الجيوسياسي.
في تحليلاته، يتناول براندز بعمق مفهوم “القرن الأوراسي”، ليس كمصطلح حتمي، بل كتوجه جيوسياسي واقتصادي، يشير إلى انتقال مركز الثقل العالمي نحو قارة أوراسيا. ويستند هذا التحليل إلى الإرث الكلاسيكي لنظريات الجغرافيا السياسية، لا سيما مقولة هالفورد ماكيندر الشهيرة: “من يحكم أوروبا الشرقية يحكم القلب الأرضي، ومن يحكم القلب الأرضي يحكم جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يحكم العالم” . يرى براندز أن هذه الديناميكية تعود للظهور في القرن الحادي والعشرين بشكل معقد، مدفوعاً بصعود الصين كقوة إقتصادية وعسكرية عظمى، ومحاولات روسيا إعادة تأكيد نفوذها الإقليمي، وتكامل شبكات التجارة والطاقة والأمان عبر البر الأوراسي.
يشير هال براندز إلى أنّ القرن الأوراسي الأول (من مطلع القرن العشرين حتى نهاية الحرب الباردة) تميّز بسلسلة من “حروب الهيمنة” التي تمحورت حول سؤال: من يملك القدرة على السيطرة على الكتلة الأوراسية، أو على الأقل على أقاليمها الحيوية، وبالتالي تشكيل النظام الدولي برمّته. فالحربين العالميتين ثم الحرب الباردة كانت، في جوهرها، صراعاً متلاحقاً بين قوى قارية استبدادية (ألمانيا، اليابان، الاتحاد السوفيتي) سعت إلى توحيد أوراسيا أو أجزاء مركزية منها تحت سلطانها، وبين قوى بحرية ديمقراطية (بريطانيا، الولايات المتحدة) تحالفت مع قوى برّية على الأطراف لمنع قيام “هيمنة أوراسية” واحدة. هذا القرن الأول انتهى بانتصار “نصف أوراسي ليبرالي” تقوده الولايات المتحدة، وبناء نظام اقتصادي–أمني عالمي منفتح، لكنه لم يُلغِ منطق الجغرافيا ولا إغراء السيطرة على “الجزيرة العالمية” التي وصفها ماكيندر.
يحذر هال براندز من طبيعة المنافسة الجيوسياسية المركزة على الكتلة الأوراسية في القرن الحادي والعشرين، حيث ستكون القدرة على التأثير في شبكاتها الاقتصادية والأمنية عاملاً حاسماً في تشكيل النظام العالمي. لكنه يرفض حتمية “القرن الأوراسي” كنهاية للنفوذ الغربي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك ميزات هيكلية فريدة من نوعها. النجاح، وفقاً لرؤيته، يتطلب إستراتيجية أمريكية واضحة، صابرة، ومتكاملة تجمع بين القوة العسكرية الذكية، والتحالفات المرنة، والابتكار الداخلي، لمنع أي قوة من فرض هيمنة أحادية على أوراسيا، والحفاظ على نظام دولي متوازن ومستقر يحمي المصالح الأمريكية والعالمية على حد سواء.
لقد أظهرت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أن المحور الأوراسي الصاعد، قادر على تحويل مضيق هرمز من ممرّ تجاري، إلى أداة ضغط إستراتيجي، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها، باتوا مضطرين لإعادة تعريف مفهوم أمن الخليج وأمن الطاقة ضمن، معادلة تنافس كبرى مفتوحة على احتمالات التصعيد. في ضوء ذلك، يغدو الخليج ــ بما يمثله من عقدة وصل بين قلب أوراسيا والأسواق العالمية، أحد الفضاءات الحاسمة التي سيتحدد فيها، إلى حد بعيد، مستقبل النظام الدولي:
إما تعزيز ترتيبات جماعية، تضمن استقرار الممرات الحيوية في إطار توازنات مدروسة، أو الانزلاق إلى دورات متكررة من الأزمات والحروب، تجعل “تكلفة الجغرافيا” أثقل بكثير من عوائدها الاقتصادية.
2-رؤية براندز للديناميكيات الأوراسية
1.التحدي المزدوج الصيني-الروسي: يحلل براندز كيف أن تنسيق المصالح بين بكين وموسكو، رغم اختلاف أيديولوجياتهما، يخلق محوراً استراتيجياً يهدف إلى تحدي النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. ويشير إلى مبادرات مثل “الحزام والطريق” الصيني والتكامل الأمني الأوراسي الروسي كوسائل لخلق منطقة نفوذ مغلقة تقلل من الاعتماد على الغرب وتعزل الولايات المتحدة عن أطراف أوراسيا الحيوية.
2.أمن الممرات والاتصالات: يبرز براندز أن السيطرة على الكتلة الأوراسية لا تعني فقط السيطرة على الأراضي، بل التحكم في شبكات البنية التحتية الحيوية، والممرات البحرية المحيطة بها (مثل بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي)، وطرق إمداد الطاقة. هذا يجعل المنافسة على “الربط” بين أوراسيا والمحيطات ساحة صراع استراتيجية رئيسية.
3. خطر العزل الاستراتيجي: يحذر براندز من أن نجاح أي قوة أو تحالف في الهيمنة على أوراسيا سيعزل الولايات المتحدة اقتصادياً وأمنياً، ويقلص قدرتها على حماية حلفائها، ويهدد الاستقرار المالي العالمي الذي تعتمد عليه واشنطن.
3- الاستراتيجية الأمريكية المقترحة
بناءً على هذا التحليل، يطرح هال براندز رؤية استراتيجية واقعية للولايات المتحدة تعتمد على “إدارة المنافسة ومنع الهيمنة”، وتتضمن المحاور التالية:
ا- تعزيز التحالفات المحورية: الدعو إلى تجديد وتقوية التحالفات التقليدية في المحيطين الهندي والهادئ (مثل حلفاء AUKUS، والرباعية Quad، والعلاقات مع اليابان وكوريا الجنوبية)، وكذلك مع الناتو في أوروبا، لخلق “قوس استراتيجي” يحيط بالكتلة الأوراسية ويوازن النفوذ الصيني والروسي.
ب- الشراكة مع القوى الوسطى والرافضة: التأكيد على أهمية بناء شراكات استراتيجية مع دول مثل الهند، وإندونيسيا، وفيتنام، ودول الخليج، التي ترفض الهيمنة الأحادية وترغب في تعددية قطبية، مما يمنع أوراسيا من التكتل خلف قوة واحدة.
ج- الاستثمار في القدرات غير المتماثلة: التوجيه نحو تطوير القدرات التكنولوجية المتطورة (الذكاء الاصطناعي، الفضاء، السيبراني)، والقدرات البحرية والجوية بعيدة المدى، التي تتيح للولايات المتحدة ممارسة تأثير استراتيجي دون الحاجة إلى احتلال بري مكلف أو غير واقعي في عمق أوراسيا.
د- الدبلوماسية الاقتصادية والصلابة الداخلية: يؤكد براندز أن المنافسة الأوراسية لا تُحسم عسكرياً فقط، بل من خلال مرونة الاقتصاد الأمريكي، وابتكاره التكنولوجي، وقدرته على تقديم بديل جذاب للنماذج التنموية الأوراسية، مع معالجة الانقسامات الداخلية التي تضعف القوة الوطنية على المدى الطويل.
في هذا السياق يطرح براندز ما يمكن تسميته “قاعدة براندز”: النزاعات الكبرى حول أوراسيا ليست حروباً إقليمية محدودة، بل هي حروب على مصير النظام العالمي وعلى مستقبل الحرية السياسية؛ ومن يسعى للهيمنة في أوراسيا يواجه في النهاية تعبئة مضادة واسعة تقوده غالباً إلى الانهيار، لكنّ ثمن “التأخر في الرد” يكون كارثياً. فكل محاولة استبدادية لبناء تفوّق قاري (ألمانيا النازية، اليابان الإمبراطورية، الاتحاد السوفيتي)،انتهت بالتحطّم تحت وطأة تحالفات مضادة، غير أن التردد الأولي لدى القوى الليبرالية في كبح هذه المحاولات مبكراً جعل كلفة التصدي لها لاحقاً هائلة في الأرواح والمقدّرات. من هنا، يفهم براندز القرن الأوراسي الثاني الراهن (بعد 1991) بوصفه دورة جديدة من المنطق نفسه: صعود محور صيني–روسي–إيراني يسعى لإعادة هندسة التوازنات في أوراسيا، مقابل محاولة أميركية للحفاظ على “أوراسيا مجزأة” وتحت مظلة نظام ليبرالي.
4-الحرب الامريكية الاسراءيلية على ايران نقطة تسارع جيوسياسي
من هذا المنظور تمثل الحرب الأميركية–الإسرائيلية الأخيرة على إيران ، نقطة تسارع حادة في التحول الجيوبوليتيكي للقرن الأوراسي الثاني. فالضربات المنسقة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ،على منشآت نووية وصاروخية وبنى تحتية عسكرية داخل إيران، وما تبعها من إغتيال المرشد الأعلى وإعلان طهران “حالة التعبئة الشاملة”، لم تكن مجرد جولة عقابية، بل إستهدفت كبح طرف يُنظر إليه في واشنطن ، كحلقة جنوبية حاسمة في محور أوراسي صاعد، يمتد من موسكو إلى بكين مروراً بطهران ودول حليفة أخرى ،ويسعى هذا المحور كما يعرّفه براندز، إلى توظيف الجغرافيا (الكتلة القارية، الممرات البحرية، موارد الطاقة)، لتقويض تفوق الولايات المتحدة وتحويل مناطق مثل الخليج إلى ساحات نفوذ مضاد، لا مجرد فضاءات مفتوحة للتجارة العالمية .
لقد كان ردّ إيران على هذه الحرب متناسبا ومتناغما لمنطق “استعمال الجغرافيا كسلاح”: حيث أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، أمام الملاحة المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، ونفذت قواتها ووكلاؤها ضربات صاروخية وبحرية على ناقلات نفط ومنشآت تصدير، ما أدى إلى تراجع حركة العبور في المضيق بنسبة قاربت 90–95٪ خلال أيام، وإرتفاع حاد في أسعار النفط، وارتباك واسع في أسواق الشحن والتأمين. بهذا المعنى، تحوّل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية،من ممرّ “محايد” في النظام الليبرالي، إلى أداة ابتزاز جيوبوليتيكي في يد قوة إقليمية مرتبطة بمحور أوراسي صاعد، وهو بالضبط ما حذّر منه براندز عندما تحدث عن قدرة القوى الجيوسياسية الصاعدة على توظيف “نقاط الاختناق” في أوراسيا ،لإجبار القوى البحرية الليبرالية على الدفاع في ظروف غير مواتية .
5-مستويات التحول الجيوسياسي:
تكشف هذه الحرب عن طبيعة التحول الجيوبوليتيكي في القرن الأوراسي الثاني على ثلاثة مستويات مترابطة.
– أولاً، على مستوى أمن الخليج، انتقل الخليج من كونه “خط خلفي” نسبياً في صراع القوى الكبرى إلى واجهة مباشرة للمنافسة على أوراسيا؛ إذ أصبحت البنى التحتية النفطية والموانئ ومحطات الغاز أهدافاً عسكرية مشروعة في منطق الردع المتبادل، وأضحى أمن الملاحة في هرمز وباب المندب جزءاً من معادلة التفاوض بين واشنطن ومحور صيني–روسي–إيراني أوسع. هذا يضع دول الخليج أمام معضلة بنيوية: الاعتماد على المظلّة الأمنية الأميركية في مواجهة إيران، وفي الوقت نفسه التداخل الاقتصادي العميق مع الصين والأسواق الآسيوية التي تحتاج إلى استقرار طويل الأمد في الإمدادات.
ثانياً، على مستوى أمن الطاقة، أظهر إغلاق هرمز الجزئي خلال الحرب مدى هشاشة نموذج “الأمن بالطاقة” الذي قام منذ السبعينيات على فرضية أن مضائق الخليج ستبقى مفتوحة عملياً بغض النظر عن التوترات الإقليمية. فمجرد أسابيع من التعطيل كفيلة بإرباك برامج التحول الطاقوي في أوروبا وآسيا، وتأخير خطط التخلي عن الوقود الأحفوري، ودفع الدول المستهلكة للبحث عن ترتيبات أمنية ومالية بديلة (تخزين استراتيجي أكبر، عقود طويلة الأجل، تنويع مسارات وأنواع الطاقة).
بهذا المعنى، يتحول أمن الطاقة من مسألة اقتصادية–تجارية إلى مسألة أمن قومي مرتبطة مباشرة بمسار المنافسة على أوراسيا، ويصبح الاستثمار في طرق بديلة (خطوط أنابيب عابرة لآسيا الوسطى، توسعة ممرات شرق المتوسط، وممرات بحرية حول رأس الرجاء الصالح) جزءاً من استراتيجية احتواء جيوبوليتيكي، لا مجرد خيار تقني.
ثالثاً، على مستوى الأمن العالمي، تؤكد هذه الحرب صحة “قاعدة براندز” في نسختها المعاصرة: ترك محور أوراسي استبدادي يتمدد دون ضبط مبكر يدفع القوى الليبرالية إلى مواجهته في ظروف أكثر خطورة، وعلى نقاط حساسة مثل المضائق النووية–الطاقية، ما يرفع احتمال الانزلاق إلى حروب أوسع. فقرار واشنطن وتل أبيب تنفيذ ضربة كبيرة على إيران جاء متأخراً بعد سنوات من توسع نفوذ طهران الإقليمي، وتراكم قدراتها الصاروخية–المسيرة، وتوثق علاقتها بكل من موسكو وبكين، أي أنّ “الرد المتأخر” جرى في بيئة أصبح فيها ثمن التصعيد على النظام العالمي أكبر بما لا يقاس مما كان سيكون عليه في مراحل سابقة.
وعليه، فإن الحرب الامريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، يمكن قراءتها كبداية مرحلة تتزايد فيها “قيمة” نقاط الاختناق (هرمز، باب المندب، قناة السويس، مضيق ملقا، تايوان)، كأوراق ضغط في لعبة أوراسية كبرى، تتشابك فيها الجغرافيا مع الأيديولوجيا، والاقتصاد مع الأمن.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن التحولات الجيوبوليتيكية في القرن الأوراسي الثاني تعيد إنتاج منطق القرن الأول، ولكن في بيئة أكثر ترابطاً وتعقيداً:
-محور صيني–روسي–إيراني يوظف الجغرافيا والأدوات غير المتناظرة (وكلاء، صواريخ، هجمات سيبرانية، إغلاق مضائق) لتقويض النظام الليبرالي، وقوة بحرية أميركية تحاول، عبر تحالفاتها في أوروبا والهادي والخليج، منع تمركز هيمنة صاعدة في قلب أوراسيا.
كما أن الحرب الأخيرة على إيران ، لم تكن انحرافاً عن هذا المسار، بل لحظة كشف وتسريع له، إذ أظهرت أن الخليج ومضيق هرمز لم يعودا هامشاً جغرافياً، بل أصبحا خط تماس رئيسياً يمر عبره مستقبل أمن الطاقة العالمي، واستقرار النظام الدولي في القرن الأوراسي الثاني.