رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : المقاومة بالحيلة

كانت تقول دائماً في أحاديث البريد الالكتروني:
إنها كانت صغيرة يوم شاهدتني للمرة الأخيرة أحمل الحقيبة في حرب الخليج الأولى محني الظهر وأنعطف في الشارع، وأختفي إلى الأبد.
قلت:
” ما معنى الى الأبد؟”
” لم تظهر بعدها وقيل لنا إنك أُعدمت في محاولة الهروب في ميدان تدريب عسكري وكنت تبكي وتتوسل لكنهم أطلقوا عليك الرصاص،
ومت ههههه حكاية الأمن لترويع الأسرة”
” أعرف، لكن شيئاً ما مات فعلاً يوم خرجت، متى خرجتُ للمرة الأخيرة؟”.
” الفجر والشوارع بلون الرماد،
حيطان الطين مغمورة بالضباب وزمن المصابيح الزرق وصفارات الانذار،
والمآتم والجنازات وحفلات إعدامات الشوارع والحب المحرّم،
كنا في شهر آذار”.
تذكرتُ كما اليوم وكتبتُ:
” في 15 آذار 1988″
كتبت هي:
” أليس غريباً أن أكتب لك وأنت في منفى وأنا في وطن”
” لا، كلانا في منفى”
” هل تقبل المقايضة هههههه؟”
” لا. لان الوطن نفسه صار أقسى من المنفى”
تأخرت في الرد وكتبتْ:
” يوم رأيتك للمرة الأخيرة كنت صبية، اليوم أنا هرمت وأنت ما زلت طفلاً. نحن نشيخ بسبب الاذلال لا بسبب السنوات”.
بعد توقف قصير لانطفاء الكهرباء عادت تكتب:
” أنت الوحيد الذي إطلع على روايتي أو ما يمكن تسميتها
كذلك.”
قاطعتها:
” إنها أروع رواية كتبتها عراقية في كل العصور، وأنا سعيد بذلك لكن المؤسف أنك تصرين على نشرها بإسم مستعار”.
” قد لا تكون رواية سيئة تماماً، لكنها محاولة”
” غير صحيح هذا الكلام، هذه ملحمة لا تقل بهاءً وجمالاً عن رواية” ذهب مع الريح” مرغريت ميتشيل أو” مرتفعات وذرينج” إميلي برونتي،
عمل آسر”.
توقف قصير ربما تبحث عن كلمات:
” كنت بين خيارين إما أعيش الحصار النفسي الخانق وأذبل بصمت،
أو أكتب وبرونتي ومارغريت كانتا في وضعية مشابهة، عالم المرأة عميق لكن الناس لاترى غير السطح”.
كتبتُ بلا مناسبة لكي لا أتوقف:
” بلا شك ترتدين العباءة؟”
” نعم، وأكثر من عباءة في الداخل حتى احلامنا خفية”.
حاولتُ تغيير دفة الموضوع:
” في روايتك ” سنوات السوء” وهو عنوان أولي مقترح كما تقولين،
وجدت شخصيات كثيرة أعرفها بل وجدت نفسي رغم تمويه الاسماء ، كيف تمكنت من التوغل في عالمنا السري وأنت صبية في ذلك الوقت؟”.
تكتب علامات ضحك وتضيف:
” يوم كنت تزور أخي وتجلسان في غرفته كنت أختلس السمع لما تتحدثان به هههههه”
” ملعونة، وكنا نقول أشياء كثيرة سيئة”.
” لكن كنتما تقولان أشياء كثيرة رائعة شكّلت ذاكرة طيبة لي. سأعطيك مثالاً:
في مساء ماطر جئت أنت حزيناً، ودخلت غرفة أخي وتحدثتما عن أمر مؤلم لا أريد الكلام فيه الآن لكي لا أفتح جرحاً قديماً”.
قلت” من الصعب أن يحب الانسان في زمن الحرب والطاعون والكوليرا. هل قرأت رواية غابريل ماركيز” الحب في زمن الكوليرا”؟.
ــــ وحفظت مقاطع منها. هذه معايير مجتمع يعتبر القاتل بطلاً والعاشق مجرماً . لم يتغير الحال رغم كل الكوارث”.
قلت لتغيير جهة الحديث:
” أقول لك الصدق لو لم أعرفك جيداً لما وثقت في أنك من كتب هذا العمل الباهر. كيف نتصرف به؟”.
” أتركه لك لكي تقرر”
شعرتُ بثقل الأمانة كتبت:
” لماذا النشر بإسم مستعار؟”
ردت حالاً:
” هو السبب نفسه لخروجك الأخير في الفجر الرمادي، نحن في زمن واحد مشوه ولا قطيعة مع الماضي، يمكن أن تكتشف كثافة ودوران الزمن كيف صارت الصبية إمرأة تتحدث الى الراوي في منفى؟”.
” نحن اليوم في الفجر الرمادي نفسه”.
” نعم، نعم، الفجر الرمادي نفسه بلا صبح، لماذا الفجر رمادي؟ لنغير الموضوع لكي لا نبكي معاً خساراتنا،
هل تعرف أن كل ما أحلم به الآن برتقالة وفنجان قهوة وشوكولاته ومقهى
على شاطئ في مكان بعيد، بعيد، لا أعرف فيه أحداً ولا يعرفني أحد،
هل تعقل حياة إمرأة تتكثف في هذا الحلم الصغير؟ “.
توقفت هي عن الكتابة فكتبتُ:
” هل أنت معي؟”
فكرت في أنني تركتها في زمن حرب ونتحاور الآن في زمن حرب، ذاكرة مشتركة . نحن لا نملك سيرة ذاتية بلا خلفية عامة حتى في التفاصيل الشخصية. تأخرت هي وشعرت أنها تبكي بعد صمت.
كانت تتكلم من غابة مطرية، عشب مبلل ومطر ورائحة زهور تتفتح،
وكنت أشم رائحة أعشاب برية. كما لو أنها لم تخرج من حالتها النفسية عادت لتكتب:
” هل تتخيل أن حياةً كاملة لإمرأة تتكثف في حلم بسيط؟”.
من عنف وتكرار وقوة الكلمات شعرت أنها تصرخ:
” هل تتخيل؟”
ثم بعنف أكبر كما لو تطلق صرخات حبيسة:
” أريد أن أختفى نهائيا من المكان ومن نفسي لأني لست أنا بل هم،
هل تفهم؟”
كانت بحاجة الى مرآة لتقول ما تريد أن تقول بحرية تامة. يجب ان تجد شخصاً واحداً في النهاية تبوح له.
” أفهمك جيداً”.
بعد توقف عادت للكتابة:
” آسفة. تعبت حتى من التنفس”
كتبتُ لكي لا نتبادل النشيج:
” ربما تقع مصادفة مميتة فكتبت ملاحظة في أول صفحة في روايتك إن هذه الرواية كاتبتها هي…وذكرت إسمك”.
” ماذا تعني مصادفة مميتة؟”
” كل أسباب الموت متوفرة اليوم، لكن قولي لي لماذا كنت أنت يقظة للمرة
الأخيرة في فجر رمادي؟”.
” كنت ذاهبة لشراء الخبز من الفرن المجاور،
تتذكره؟”
” طبعاً، وعملت فيه ”
” أتذكر يوم جئت من الحرب بضماد على جبهتك”
” أي حرب؟ كنتُ ومازلت في أكثر من حرب، الانسان الاعزل عليه كل لحظة تبرير وتفسير وجوده للقطيع. كيف تتذكرين؟”
” كنا نلعب في الشارع لعبة القفز على الحبل، وفجأة ظهرت أنت منكسراً كطائر في فخ”
” جميل أن هناك صبية تتذكر هذه الأشياء، حول روايتك سأقرر نشرها
مع مقدمة دون الاشارة للإسم الصريح، ستكون حدثاً . جيلك عاش المقاومة بالحيلة”
قاطعتني بسرعة:
” كل الاجيال وحتى هذه الكتابة بيننا نوع من الحيلة،
المقاومة بالحيلة كتاب جيمس سكوت المذهل الذي أرسلت ملفه لي:
كيف تهمس الضحية لنفسها في ظهر جلادها، الصمت، النكات،
التخيل والحلم، إستراتيجية الضعفاء أمام قوى عنيفة متعددة،
الكتابة السرية الاشارات والتلميح وحتى الموافقة الإضطرارية هي رفض،
هل نسيت كيد النساء ههههه؟”.
كتبتُ بسرعة:
” المقاومة بالحيلة خاصية عامة، في مراحل الخوف والزجر والعنف ينزل الجميع الى قيعان نفسية عميقة وهناك بالتخيل يبنون عالماً موازياً يمكن
الحلم فيه بسرية تامة”.
لم ترد وغابت دقائق ثم عادت فجأة:
” آسفة للتأخير كنت أرد على الهاتف. حول روايتي قد أبدل العنوان ”
كتبتُ بذهول:
” رواية؟ أية رواية؟ متى تحدثنا عن ذلك؟”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى