
سأرثي مواطناً…
لا لأنه مات…
بل لأن الحياة نفسها اعتذرت عنه متأخرة
هذا الذي لم يُغلق عينيه على راحة
بل ظل يفتحهما كل صباح
كمن يوقّع حضوره في ألمٍ جديد
يا هذا المواطن،
يا من تعلّمتَ كيف تعيش على الحافة
من علّمك أن الكرامة يمكن أن تُؤجَّل
حتى صارت حياتك كلها تأجيلاً؟
كل يومٍ أخرجُ للعمل…
أشاهد شيخاً كبيراً
يدفع عربةً قديمة
تئنّ كأنها تحفظ اسمه أكثر منه
العربةُ ليست عربة…
بل وطنٌ فقد عافيته
تكسّرت عجلاته
وبقي يزحف على ذاكرةٍ مثقوبة
ويمشي خلفها
كأنه يجرّ نفسه لا الحديد
خطوةٌ تسحب منه عمراً كاملاً
وأخرى تُسقط منه ما تبقّى من الحلم
يبحث في الطرقات
عن بقايا قطعٍ مكسورة
عن خردةٍ يبيعها
ليشتري بها يوماً بلا إذلال
لكنّ الأيام
لا تُباع… ولا تُشترى
خصوصاً حين تُسرق من الفقراء
كنتُ أراه كل يوم
حتى صار وجهه جزءاً من الطريق
وصار انحناؤه لغةً
لا تحتاج إلى شرح
ثم رأيتُ شيخاً آخر
يغوص في حاويةِ الوطن
لا ليأكل…
بل ليبحث عن نفسه
عن الرجل الذي كانه قبل أن يتعلم الصمت
كانت يداه ترتجفان
ليس من الجوع فقط
بل من سؤالٍ أكبر من القلب:
كيف يصبح الإنسان أقل من حاجته؟
وحين رفع رأسه
لم أرَ وجهه…
رأيتُ بلداً صغيراً
يبحث عن معنى وجوده في عينيه
ورأيتُ طفلاً…
لا يشبه الطفولة
يشبه وجعاً لم يكتمل بعد
يفرش عمره على بسطةٍ باردة
يعدّ النقود كمن يعدّ خساراته الصغيرة
اقتربتُ وسألته:
لماذا لست في المدرسة؟
فقال بهدوءٍ يقطع القلب:
مات أبي… بعد أن مات الوطن
وبقيتُ أحمل التعب
ثم أضاف:
وأنا لا أبكي كثيراً…
لأن الدموع أيضاً غالية
في تلك اللحظة
شعرت أن العالم كله
لا يساوي نظرة طفلٍ فقد معنى الطفولة
يا هذا المواطن،
لم تمت مرة
بل كنت تُستنزف حتى آخر ذرة منك
حتى صار بقاؤك شكلاً من أشكال الفقد
كل صباح كنت تخرج
لا لتعيش
بل لتثبت أنك ما زلت قابلاً للتحمل
حتى حين انكسرت تماماً
لم يسألك أحد
لأنك تعودت أن تُكسر بصمت
وحين سقطت أخيراً
لم يحدث شيء
لأن السقوط أصبح عادتك الوحيدة
سأرثيك كما يُرثى ما لا يُقال:
“هنا عاش إنسان
كان قلبه أكبر من وطنه
لكن الوطن لم يتّسع له
هنا لم يمت فجأة…
بل ذاب بهدوء
حتى صار الغياب أكثر حضوره”