كتاب وشعراء

حزنٌ مُلَوَّنٌ بالنور… بقلم القاصَّة: نجاح الدروبي

قصَّة قصيرة للأطفال

… في اِحدى نُهُرِ الربيعِ المُزهر كانت “رحمة” تجلسُ منفردةً في زاويةٍ قصيَّةٍ من المنزلِ المُتربِّع في حضنِ الغوطةِ الغنَّاء تُحيطُ به جنَّةٌ ذات أفنان ترتوي من عَيْن ماءٍ نَضَّاخَةٍ. وبينما كانَتِ العائلةُ تستعدُّ لتذوّقِ الطعام اللذيذ اقتربَتِ الطفلةُ بخطواتٍ وئيدةٍ وجلسَتْ على الكرسي المقابل لوالدِها، ثمَّ قدَّمَتْ لها أمُّها وجبةَ الغداءِ مع كوبٍ من العصير.
أكلَتْ “رحمة” ببطءٍ وهي تُحدِّقُ في وجهِ أبيها مُبتسمةً تُلبِّي جميعَ طلباتِهِ.
وبعدما فرغوا جميعاً من الطعام اقتربَتْ منه وسألَتْه بحياءٍ:
-“بابا..! أحتاجُ مبلغاً كبيراً من المال؟”.
رفعَ الأبُ يدَه قليلاً ليوقفَ أختها المُتَدَخِّلة، ثمَّ سألها مُسْتَفْسِرَاً:
-“لماذا؟”.
-رحمة: “لن تستطيع رفيقتي “مِنَّة” متابعة تعليمها لأنَّ عائلتَهَا لا تملكُ نقوداً وبيتهم بالإيجار وطعامهم شحيح”.
ردَّ الأبُ بسرعةٍ:
-“وماذا يعملُ والدُهَا؟”.
أجابَتِ الصغيرةُ بكلماتٍ مقطوعةٍ من جمر الأسى:
-“الوالدُ فارقَ الحياةَ، والأمُّ تعملُ في أحد المنازل كخادمة، والأخوة صغارٌ كزغبِ القطا”.
أطلق الأبُ من رئتيه زفراتِ حزنٍ عميقةٍ، ثمَّ تذكَّرَ ماضيه؛ فقد ذاقَ هو أيضاً لدغةَ الفقرِ ولسعةَ البردِ قبلَ أن يعمل في الزراعة ويصبحَ غنيَّاً.. عندها قالَ لابنتهِ كلمةً لوَّنَتْ حزنَهَا بالنور:
-“هل ترغبينَ يا صغيرتي أن أمدَّ يدَ العونِ للعائلةِ فأُؤمِّن لهم مكاناً للنومِ، وطعاماً لذيذاً، وعلماً نافعاً.. شرطَ أن يبذلوا جهداً ويدرسوا؟”.
-“نعمْ، بالتأكيد” أجابَتْ رحمة والضحكةُ تتمشَّى في أوردتِهَا، ثمَّ ذهبَتْ وأخبرَتْ “مِنَّة” وأمَّها بقرار والدها الذي لم تتبخَّر وعودُهُ يوماً.
ومنذُ تلكَ الليلة لم تعرف “رحمة” طعمَ القلقِ على رفيقتِهَا، إذ درسَتْ وإيَّاها بجدٍّ حتَّى تفوَّقتا وأصبحتا خيرَ عونٍ لعائلتيهما.. وعندما تخرَّجتا من الجامعة شيَّعتا أحزان اليتامى من خلال بناء دارٍ لهم، وكانت مسيرتُهما مُتوَّجَةً بالنجاح، لأنَّهما جعلتا من نورِ القلبِ مصابيح للعقل.

نجاح الدروبي
سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى