
بعد سنواتٍ طويلة،
حين صار اسمي أطول من طفولتي، وحين تعلّمتُ أن أوقّع على الأوراق أكثر مما أوقّع على الغيم،
عدتُ إلى القرية التي كانت،
بحسب خرائط الدولة،
نقطةً منسية،
وبحسب قلبي،
مركز العالم.
لم أكن أعلم أن الطريق الترابية التي حفظتُ تعرّجاتها كما تُحفظ سورةٌ قصيرة، كانت قد قرّرت أن تختبرني،
ولا أن حجرًا صغيرًا عند منعطف الجبل كان ينتظر قدمي كما ينتظر العرّافُ نبوءته الأخيرة.
كانت القرية،
كما تركتُها،
معلّقةً بين جبلين
كهديةٍ نسيها أحدهم
في حضن الطبيعة.
البيوت الطينية
تتنفس بروية،
وأشجار الكافور
تميل كنساءٍ يتبادلن سراً قديماً،
والريح تمرّ حاملةً رائحة
المطر ورطوبة الآبار.
وحدها الأزمنة كانت تتبدّل،
تتقشّر مثل طلاءٍ قديم،
وتكشف تحتها طبقاتٍ من الحنين.
كان يُقال في عزلة قَدْس إن الطريق تحفظ أقدام أبنائها
كما تحفظ الأمُّ ملامح وليدها.
وإن حجارة الجبل لا تنسى من قفز فوقها طفلاً.
وكان الشيوخ يقسمون أن من يضع قدمه على حجرٍ بعينه بعد غيابٍ طويل يسمع ارتجاف الزمن في عروقه.
لم أصدق تلك الحكايات يومًا.
حتى حدث أن صدّقتني قدمي.
ولم يكن أحد يعلم أن كل مغادرةٍ كانت، في حقيقتها،
التفافاً واسعاً للعودة إلى حجر.
ذلك الحجر لم يكن أكبر من قبضة يد، لكنه كان يمتلك ذاكرةً أطول من أعمارنا. كان عند منتصف الطريق إلى المدرسة، حيث ينحدر المسار قليلاً قبل أن يستقيم.
اعتدتُ طفلاً أن أقفز فوقه كل صباح،
لا لشيءٍ إلا لأقنع نفسي أنني أستطيع هزيمة شيءٍ ثابت.
وكنتُ أضحك كلما تجاوزته،
كأنني خدعتُ الأرض.
مرت أعوامٌ غادرتُ فيها القرية إلى المدينة التي تأكل أبناءها ببطءٍ وتمنحهم،
مقابل ذلك،
أسماءً لامعة ووظائف متعبة.
صرتُ أمشي على أرصفةٍ ملساء لا حجارة فيها،
وتعلّمتُ أن أقفز فوق الأسئلة بدلاً من الحصى.
ومع الوقت،
نسيتُ الحجر كما تُنسى تعويذةٌ قديمة حين يكبر صاحبها.
غير أن الطرق،
كما تقول جدتي، تغار ممن ينسونها.
عدتُ ذات عيدٍ مثقلٍ بالضجيج،
وكانت السماء صافيةً على نحوٍ مريب، كأنها صفحةٌ بيضاء تنتظر خطأً واحداً. سرتُ على الطريق القديمة دون أن أرفع رأسي،
مشغولاً بعدّ الخسارات الصغيرة التي سمّيتها إنجازات.
الأشجار كانت أطول قليلاً،
أو هكذا خُيّل إليّ،
والبيوت أكثر صمتاً،
والهواء أبطأ.
ثم وضعتُ قدمي عليه.
لم أتعثر.
لم أسقط.
لم يحدث شيءٌ مما يحدث عادةً حين تخوننا الأرض.
ومع ذلك،
انشقّ الزمن كما تنشقّ ثمرةُ رمان، وتناثرت حبّاته في صدري.
رأيتُ الصبيّ الذي كنته يقفز أمامي، خفيفاً كأنه مصنوعٌ من ضحك.
سمعته يناديني باسمي مجرداً من الألقاب،
ورأيتُ أمي شابةً كما لم أرها منذ سنين،
وأبي يعود من الحقل وحبات
العرق تلمع
كنجوم
سكبت في جبينه
حتى الجبل بدا أقرب،
حتى الغيوم أكثر انخفاضاً،
حتى العالم أصغر وأكثر احتمالاً.
شعرتُ أن الحجر لم يكن ينتظر قدمي،
بقدر ما كان ينتظر اعترافي.
كأنه يقول:
ها أنت تعود،
محمّلاً بالغبار نفسه،
لكنك تظنّه ذهباً.
يقول أهل القرية إن بعض الحجارة تسكنها أرواحٌ صبورة،
وإن من يدوسها بعد غيابٍ طويل يسمع همساً لا يسمعه الآخرون.
لا أدري إن كنتُ سمعتُ همساً حقاً،
أم أن قلبي هو الذي تكلّم أخيراً،
لكنني تيقّنتُ أنني طوال تلك الأعوام لم أغادر المكان قط؛
كنتُ أدور حوله
في دوائر واسعة،
مثل كوكبٍ ضلّ شمسه.
نزار،
الذي كبر هو الآخر دون أن يفقد دهشته تماماً،
هزّ كتفي وهو يضحك:
ما لك واقفاً كأنك رأيتَ جنياً؟
نظرتُ إليه،
ولم أستطع أن أشرح أنني رأيتُ صبياً.
قلتُ:
— لا شيء… تذكّرتُ الطريق فقط.
لم أقل له إن الطريق تذكّرتني أيضاً.
واصلنا السير،
لكنني شعرتُ أن شيئاً ما أعيد ترتيبه في داخلي،
كما لو أن يداً خفيةً أعادت الطفل
إلى مكانه الصحيح في القلب،
لا في الماضي.
أدركتُ أن المدينة لم تهزمني،
وأن الأعوام لم تسرقني بالكامل،
وأن حجراً صغيراً يستطيع،
في لحظةٍ صافية،
أن يردّ الإنسان إلى اسمه الأول.
ومنذ ذلك اليوم،
كلما سرتُ فوق أرضٍ لا أعرفها،
أبحث بطرف قدمي عن حجرٍ يشبهه، مؤمناً أن العالم،
على سعته،
ليس إلا طريقاً طويلاً يخفي في منتصفه حجراً واحداً،
إن عثرتَ عليه،
عثرتَ على نفسك.