
عندما وصلت النرويج من الباكستان على نفقة الأمم المتحدة مع ستة رفاق بعد سجن لعبور الحدود على القدمين وبعد سجن ايراني وحرب في العراق وأشياء كثيرة،
كنت أشعر بالدهشة من سماع موسيقى هادئة أو في محل للزهور أو من امرأة تدفع عربة أطفال أو أشخاص يجلسون في مقهى في هدوء بل وحتى الشقة المخصصة لي واكثر ما يثير دهشتي هو الشرشف الابيض والوسادة النظيفة البيضاء وصمت الغرفة كما لو أنني قادم من عالم متوحش الى حياة مليئة بالتفاصيل.
في المكان المسالم تظهر الأشياء جمالها المخفي ويختلف ايقاع الحياة الصاخب الى ايقاع هادئ ومسالم ويتحول الجلوس في مقهى مع فنجان قهوة الى حفل والمشي في شارع مسالم نظيف الى طقس سعيد بل كان في الايام الاولى طقسي المفضل. كان الماضي يتراجع لكنه يقاوم.
أجمل ما في المساء الاسكندنافي الصريح والواضح هو مصابيح الشوارع بالضوء الخافت تحت المطر والزهور في النوافذ أو الشموع وشعرت مع الوقت ان الكائن المحارب المهدد المتأهب دائما في داخلي يقاوم هذا العالم الجديد كما لو ان الذئب المستفز الجاهز للقتال الذي زرعوه فيّ وجد نفسه في عالم لا ينتمي اليه وبيئة مسالمة وهادئة وجميلة.
هوية المحارب تقاوم هذا السكون المضيء وزهور النوافذ ومصابيح الشوارع وليس عندي تقاليد هذا العالم كما لو ان هذا الهدوء هو مصيدة أو فخ أو أنني منتزع من بيئة الى أخرى مختلفة. لم أعد أشعر بحاجة الى اليقظة المستمرة المستنزفة كما لو أنني على وشك اطلاق نار وهناك عدو متربص في منعطف. كل خراب الوطن يظهر في المنفى لذلك قال عبد الرحمن منيف:” في الوطن نكتشف المنفى، وفي المنفى نكتشف الوطن” لأن الوطن غير العادل منفى كما ان المسافة عنه تسقط الفضائل الوهمية ونراه بوضوح أفضل من الداخل.
كيف تحوّل هذا الهدوء الى غضب وكيف يلوح هذا المكان الهادئ المسالم كأنه سطحي وساذج وبلا غموض كما في عالم الحرب والخوف حيث حس توقع الخطر يبقيك يقظاً؟
شعرت أول الأمر اني عالق بين عالمين: واحد خلفي والاخر أمامي وان الذئب المستفز هو ليس شراً مطلقاً بل يمثل معايير الحماية التي أنقذتني هناك لكنه هنا يحاول التأقلم مع المكان الجديد الذي لا ترتبط به بذكرى ولا ذاكرة بل يخلق الآن، ويتشكل في كل خطوة.
بدأ رفاق المنفى يستعيدون المشاكل القديمة في محاولة للهروب من المكان الجديد بدل محاولة فهمه وعرفت ما هو أسوأ انهم يتعاملون مع بعض حسب” النسخة القديمة” كما لو أنك جثة بلا حياة والتعامل معك كالتعامل مع أشباح. اذن انت لم تغادر المكان القديم ولا معاييره.
نقل المشاكل القديمة وتلبيسها على مكان جديد وثقافة مختلفة يعني ان هؤلاء حملوا الخراب الداخلي الى الخارج وهذا الصنف عندما يغير الأمكنة، إنما يغيرها لكي تشبه عالمه القديم، أي يعيش في عالمين لا وجود لهما: في منفى لا يعرفه وفي وطن صار بعيداً.
الكائن المهدد المتأهب المستفز في حياته يشعر بالخوف بلا سلاح حتى في مكان هادئ نظيف ومضاء بنور خافت. في هذا المكان الجديد أنا بلا ذاكرة وكل شيء هنا لا يحمل ذكرى قديمة حتى رائحة العشب والمطر وهذا الفراغ هو ما يجعل الكائن الذئب القديم يشعر كأنه شبح متجول.
ليست هناك طريقة للخروج من هذا الوضع غير الكتابة عن الماضي وترويض الذئب واعادة بناء الذات وتحول الذئب المستفز الى كاتب حكايات وينتقل من الداخل الى الخارج ولكي يتحول المكان الى هوية جديدة والى ذاكرة جديدة لن تمحو القديمة لكن ستطهرها من الشوائب والجروح النفسية والاهانات والمخاوف.
الدهشة التي شعرت بها في المرة الأولى هي الدليل الحي على أنك لم تخرّب ولم تتحطم ولكنك عابر طرق وعرة علقت فيك بعض الأشواك ولو كان الكائن الذئب فيك قد انتصر لما شعرت بالدهشة.
فكرت في أن أصدقائي في الرحلة لن يرحلوا عن المكان القديم لأنهم بحاجة الى عكاز يستندون اليه لأن المنفى كعبور النهر وصعود الجبل يكشف مناعة وقوة الجسد وهناك أشخاص أقوياء بأنفسهم بلا عكازات وهناك العكس من هم أقوياء بالجماعة وخارجها كالسمك في الرمل.
ولن يفهموا المكان الجديد وهذه دوامة لا تنتهي لذلك قررت الرحيل الى بلدة نائية لا أعرف فيها أحداً ولا يعرفني أحد في هروب مستمر متواصل على طريقة أنطون تيشخوف:
” “حين لا تحب المكان استبدله، حين يؤذيك الأشخاص غادرهم، حين تمل ابتكر فكرة جديدة، حين تُحبط اقرأ بشغف، المهم في الحياة ألا تقف متفرجًا”.