
الوطن هو شارع آمن تتمشى فيه وليس عبوة ناسفة تتمشى فيك من الوريد الى الوريد.
هو جريدة تشتريها في الصباح من بائع حقيقي وليس من رجل أمن،
هو كأس حليب تشربه في الصباح
بكل هناءة.
هو رئيس دولة تلتقيه في الشارع وتصافحه أو تعاتبه كصديق
وليس زعيم عصابة مسلحة يخترق الشوارع.
الوطن مقهى تجلس فيه كما تجلس في بيتك
وليس وكرا أو مركز اعتقال مموه في باحته الخلفية فلقة تعذيب.
الوطن فندق تنام فيه متى تشاء
وليس قبواً متنكراً تعلق فيه منتصف الليل الى المروحة لشك في أوراقك الرسمية.
الوطن حزب تدخل فيه وتخرج منه بكل حريتك وارادتك
وليس حزبا تدخل فيه وانت معصوب العينين وعلى صدغك مسدس
وامامك استمارة انتماء
ولن تخرج منه الا الى المقبرة أو المنفى:
في كل قوانين العالم لا يجوز ارغام الانسان على قول او الانتماء الى ما لا يريد، ولا أن يفرض عليه صمت لا يريده ايضا.
الاكراه جريمة حتى في الطب.
الوطن شعب حي لا يختزل الناس في مواقف او وجهات نظر ويسجنهم الى الابد كملفات في خزان وليسوا بشرا في حياة. الشعب الذي يؤرشف فيه الكل للكل خصوصيات حياتهم وتفاصيلها لا يستحق الحرية لأنه رحم وحاضن وبيئة الدولة البوليسية التي تختزل الانسان في ملف أو أرشيف. نظام الأرشفة بوليسي بصرف النظر عن الأقنعة الأخلاقية الملفقة.
الوطن قاضي محكمة تجلس معه في المساء في مقهى
وفي الصباح تشتكي منه عنده لظلم لحق بك منه وسوء استعمال الوظيفة.
الوطن حبل غسيل تشتريه من السوق
وليس حبل مشنقة ينتظرك لدى كل منعطف تاريخي أو انقلاب أو نكتة.
الوطن حافلة تركبها في الصباح والمساء من والى العمل
وليس حافلة جهاز سري تركبك متى تشاء.
هو سرير نوم تأوي اليه دون أن تجد حشداً من الأجهزة السرية في انتظارك وهم يقلبون كتبك وأدويتك ورسائلك ومناشفك ودموعك السرية على الوسادة.
الوطن وسادة آمنة تنام عليها بلا قلق، وباب دار تغلقه وتفتحه بنفسك، وسياج حائط مصان، وجار تأمنه، وطريق تمشي فيه آمناً، ومطار تسافر منه وتعود اليه دون ان تجد تهمة في انتظارك.
الوطن قبر عائلي تختاره حياً وليس حفرة جماعية.
الوطن مقال تكتبه بارادتك دون ان يشاركك فيه عشرات قبل الوصول الى المطبعة، أو يشاركك فيه أحد،
لأن الكتابة نوع من السفر، كالموت، والحب، والسكتة القلبية، والنواح، والضحك، تكتبه لوحدك،
وليس عملاً جماعياً يشارك فيه الجميع.
الوطن جنازة تمشي فيها وتعود حياً لا جنازة تمشي فيها،
وتصل انت ممزقاً من الانفجار وتمشي خلفك الجنازة.
الوطن مركز شرطة تدخل وتخرج منه بكامل اناقتك وثيابك وجسدك
دون أن تتقلص الى أصغر حجم ممكن من جراء التعذيب،
وتعود الى المنزل بوجه جديد،
حتى لا يتعرف عليك أحد في العائلة.
الوطن حذاء تشتريه متى تشاء دون لوعة أو تردد أو احتضار امام واجهات محلات الاحذية.
الوطن امرأة تتزوجها باختيارك دون أن يشارك مختار المحلة وضابط الامن وشيخ العشيرة والاسرة والمسؤول الحزبي والديني والجيران والاصدقاء والمعارف في هذا الاختيار.
الوطن دواء مثبت في قانون تعثر عليه في الوقت المناسب
دون رسائل توسل الى هذا المسؤول او ذاك.
هو دستور تشارك في كتابته لا ان يشارك في كتابتك وصياغتك يكتبه أشباح.
هو حمار تركبه في الظهيرة في الطريق الى الحقل
وليست سلطة تركبك طول العمر.
الوطن منديل فرح أو حزن تلوح به لقطار مسافر وليس الى مشنوقين يتأرجحون من الحبال كالعصافير.
الوطن سيارة شرطة تأخذك، شاباً، الى المركز وتعود بعد ساعات لعدم ثبوت الادلة لا أن تعود بعد دقائق وقد دخلت مرحلة الهرم.
هو سجادة صلاة أو جواز سفر ودفتر ضمان وبطاقة مصرفية.
الوطن سماء زرقاء أو غائمة مزروعة بالصور والغيوم وليس بالطائرات.
هو حمام عائلي تسبح فيه وباب تغلقه متى تشاء
وتعود في الوقت المقرر.
الوطن أغنية تختارها بنفسك عن أي شيء أو نشيد تختاره بنفسك
وترفضه بنفسك وتغيره بنفسك وليس وصماً أبدياً.
الوطن صديق ترفضه متى تشاء اذا لم يكن عادلاً، وتموت من اجله اذا كان نظيفاً، الوطن هوية في القلب وليس ورقة او جنسية.
الوطن سياج منزل مصان بالقانون كما كان في أزمنة سابقة مصانا بكسرات الزجاج والاشواك والعرف،
وليس ملعب جمباز لرجال الأمن، ورجال الشيخ، ورجال السيد، ورجال زعيم عصابة، هذا ليس وطنا بل مأوى وحوش.
الوطن حديقة آمنة وشارع آمن وسيارة آمنة وطعام آمن ومصابيح ليل آمنة تتأملها بكل بهجة وشاعرية وليست مصابيح شوارع تحدق فيك،
وخلف أعمدتها مسلح وقناص وبصاص.
الوطن شوارع نظيفة بلا نفايات ولا مياه آسنة ولا منظمات مسلحة ولا محاكم سرية ولا شعارات باترة قاطعة.
الوطن عشق ترتمي فيه كطائر عطشان لا مستوطنة ذل. الوطن بيت تعود اليه بعد سفر طويل لتجده كما هو
لا أن تجده وقد تحول الى مقر حزبي أو صالون حلاقة أو معتقل متجول أو مبولة عمومية.
الوطن في جنون الاغاني الحكيم، في” يا حريمة، لا، لا على بختك ما ني سالوفة صرت بين الطوايف” و” حيل اسحن كليبي سحن” و” أصبغ هدومي بدارك” التي لا توجد ترجمة لها في كل لغات العالم والعراقي هو الانسان الوحيد في التاريخ والأرض الذي يشق ثوبه من الزيج للزيج ، من الطول للطول، عندما يطفح الوجع وهو الوحيد عند الفقدان من يمرغ جسده ووجه بالتراب.
الوطن رسالة تكتبها الى من تريد وتصل في الوقت المناسب
الى من تريد دون المرور بعشرات الحواجز واجهزة المراقبة وفحص النوايا.
الوطن شعب تختلف معه حول كل شيء وتحتج على كل شيء من التاريخ الى اللغة، دون خوف ودفوف وتهديد.
الوطن محطة قطار وسكة حديد واغنية تحت السنابل قطا ومضيف وليل وفوانيس تضوي من البعيد،
وانت في حالة وداع وليس قطار موت.
الوطن سنونوة مهاجرة تنتظر عودتها الى البيت في الربيع،
وتجد عشها كما هو دون أن يتحول الى أنقاض من الانفجار أو مصنع مفخخات.
الوطن حفلة عرس وضفيرة تحنّت بليلة مهر، ليل وقطار ونافذة وفانوس ومضيف وريحة هيل.
اذا لم يكن الوطن آمنا وعادلاً ونظيفاً، فهو معسكر أسرى ، والثروة غنيمة حرب.
عندما نتحدث عن الوطن بلغة التفاصيل الانسانية المنسية، نجرده من الشعارات والخطابات السياسية الكاذبة، ونعيده الى معناه الأصلي في مكان هادئ نظيف وجميل لحياة آمنة وعادلة.
الوطن هو الصديق والحائط الذي تتكيء عليه عندما تحتاج،
وعندما لا يكون كذلك يصبح مزرعة حيوانات كمزرعة جورج أورويل بعنوان مزور وخاطئ: وطن.