
الطائفية ليست ظاهرة متعصبة دينية فحسب وهناك طائفية علمية والتمسك بالحرفيات وطائفية سياسية والتمسك بالنصوص.
الذين يشنعون على الطائفي الديني ينسون أنهم أكثر منه طائفية وأخطر كما ان الذين يكتبون بعد خراب البلاد والعباد عن أوهام المثقف هم من الصنف الذاهب الى الحج نهاية موسم الحج وبعد ان ملّ مفكرون عرب من تفكيك هذه الأوهام كعلي حرب في كتابه” أوهام النخبة: نقد المثقف” الصادر عام 1998 ، وكتاب” نهاية الداعية: الممكن والممتنع فى أدوار المثقفين” تأليف د. عبد الإله بلقزيز الصادر عام 1995 وأثار سجالاً حامياً بين مدافع عن تلك الأوهام وبين ناقد لها، وكتب كثيرة تعرضت لأوهام المثقف العربي والعراقي جزء من تلك الاوهام وكان أعنف نقد لأوهام المثقف.
كما كتب أدونيس مطولات في نقد المثقف الوظيفي والتمويهي الملقن وكتب المفكر محمد عابد الجابري كتابه” “المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد” الذي يعتبر من الكتب المؤسسة لتاريخ المثقف العربي عبر العصور الذي ولد في قصور الخلفاء كمؤرخ لها وهو عكس المثقف الغربي الذي ولد في صراع مع السلطة حتى اليوم.
لكن كالعادة يأتي المثقف العراقي في نهاية الخراب كما لو أنه إخترع اللبن ليحدثنا عن أوهام المثقف دون اعتراف انه كان جزءا جوهرياً من تلك الأوهام خلال القرن الماضي وحتى اليوم في السياسة وفي الثقافة لأننا في السياسة وفي الثقافة أمام حرس قديم ونسي توقيعه على رسالة الى الرئيس الامريكي ورئيس وزراء بريطانيا تطالب باحتلال العراق ثم في رسالة ثانية شكرهما على الاحتلال في سابقة لم تحدث في التاريخ لان الارض ليست النظام وموقف المثقف في الاقل التحذير من مشروع خراب وليس وقف الحرب المقررة بذريعة طاغية أرعن ويمكن العودة الى هذا الرابط الذي حذفوه بعد الخراب من كل المواقع لكي لا يبقى شاهداً على سقوط نخبة وعجزها عن استشراف اليوم التالي للاحتلال ونحن من الشعوب التي لا توثق لذلك تكرر الكوارث ولم تخلق فيها تقاليد وطنية رصينة :
http://saotaliassar.org/Frei…/FreiKitabat/Intelgent.htm
هذه الوثيقة التاريخية جواب لسؤال مكرر” لماذا يكرهنا هؤلاء؟” ليست قضية شخصية أبداً بل لأننا كشفنا المخفي والمحذوف ونزعنا الأقنعة وشلنا الزير من البير ـــــــــــــ “شيل الزير من البير: مثل عربي شهير يُضرب للمهام المستحيلة أو شبه المستحيلة التي تتطلب جهداً خارقاً.
منذ تسعينات القرن الماضي كتبنا عشرات المقالات في جريدة” الوفاق ” المعارضة الصادرة في لندن عن أوهام المثقف وقلنا بالحرف الواحد إن هذه المعارضة ستعيد يوما إنتاج النظام لأن العقل واحد: حيازة، ومُلكية، ومحو، وكراهية المختلف والخ. هذا ما تحقق بعد الاحتلال.
قوبلت تلك المقالات بحفلات ردح وشتم وتخوين بلا مناقشة بل طُلب من المرحوم صلاح عمر العلي رئيس التحرير ايقاف هذه السلسلة فرفض عن قناعة وتجربة في ضرورة نقد أوهام المثقف معترفاً هو نفسه كأحد الواهمين ومن انقلابيي تموز 1968 الذين وجدوا أنفسهم أمام عجلة ضخمة مسننة وحشية تسحق كل من يقف في طريقها من تأسيس رأس النظام وحراسه. في هذه الصفحة الفيس بوك عشرات المقالات عن أوهام المثقف مرت كإنزلاق غيوم فوق مقبرة ـــــــــــــ أرشيف جريدة” الوفاق” متوفر في جهاز البحث وموثق.
لا يمكن حصر المثقف العراقي في عنوان واحد رغم كثرة العناوين السطحية لكنهم في الحقيقة ” مثقف” واحد رغم زيف توصيف المثقف الذي لا يتطابق مع هؤلاء لأن المثقف منتج معرفة جديدة ورافض لوصاية من أي طرف وولاء وحيد للحقيقة وغير منحاز لرأي الجمهور ولا يسعى لكسب وده كما يفعل المطرب.
لكن هؤلاء جميعاً يلتقون في صفات مشتركة في النظرة الحرفية والطائفية وفي الايمان بالنص وفي حيازة الحقيقة والتاريخ والسلطة والثروة وفي الاقصاء وفي كراهية المختلف وفي كونهم ببغاوات ملقنة بشعارات سياسية سطحية بلا ثقافة ولا فكر رغم ان بعض هؤلاء حاول ” اللجوء” الى الأدب لكنه خرب لغة الأدب بقاموس صبياني سوقي بقشرة نقدية كما خرب من قبل لغة السياسة.
كمثال على ذلك الموقف من الطائفية الدينية: الطائفي المذهبي يعيش في عالم مغلق، وكل شيء مكتمل في نصوص ويمكن تعديل الواقع لو اختلف مع النص،
وهي نفس عقلية اليساري الطائفي: الايديولوجيا، النص، عالم متكامل ومغلق واذا اختلف الواقع مع النص،
يتم قهر الواقع والجغرافيا حتى تنسجم مع النص ولو تم نقل جماعة عرقية واقتلاعها من المكان
الى مكان آخر:ستالين هجّر تتار القرم ونقلهم الى مكان آخر، وصدام هجر الكرد ونقل قسماً للسهول.
كلاهما يحجزان الزمان والمكان ولا مساحات رمادية ولا تسويات ولا انصاف حلول،
إما الدمج أو المحو والكل أو لا شيء. حسب الفيلسوف بول ريكور في وصف الايديولوجيا.
كلاهما يرفضان التنوع والاختلاف لان هذه العقلية تحتكر المكان والزمان،
واذا تمسكا بإسطورة سياسية أو دينية، النتيجة مذبحة. جميعا مارسوا التطهير السياسي والمذابح.
هنا وهناك حنديرة خيول ـــــــــــــ جلدة على عيون الخيل ــــــــ على شكل نظرية طائفية أو سياسية.
كلاهما يحنط خصومه في موقف او مواقع ويعطيهم رمزا للحفظ مدى الحياة كما لو الانسان ملف او مخزن للاثاث وليس موجة تحولات وطاقات تغيرات.
الطائفي المذهبي يرجع للنص لو واجهته مشكلة في الحياة لأن النص هو الحياة، والحياة ظل، اليساري الطائفي ــــ المتعدد العناوين من القومجي الى الشيوعجي أو الثورجي أو الليبرالجي او البعثي وهم في كل الأحوال عقلية واحدة وحزب واحد ــــ يعود للنص لمساءلة الحياة. الحياة هامش والنص هو الأصل.
هنا وهناك نص ومرجعية . ليست الحياة خضراء بل رمادية والنص أخضر.
النص حي والحياة تفصيل عابر . الحقائق، حسب هذا الهراء، في النصوص لا في الحياة. يجب تغيير الحياة لكي تناسب النصوص كما فعلت النظم الشمولية وتحطمت.
الاول المذهبي يريد من الاخر المختلف التوبة والثاني يريد من المحتج المختلف النقد الذاتي: نزع الهوية الفردية في الحالتين.
الأول يريدك أن تموت باسم المقدس كما يفهمه هو والثاني يريدك أن تموت باسم النظرية، الأهم أن تموت لكي تكتمل في نظر هؤلاء البهائم لانك في الحياة كائن ناقص بل عورة في نظر الاثنين ما لم تجلد او تشنق او تهرب لا ان تفكر خارج القطيع.
لست انت كما تريد بل كما يراد لك لانك لست انسانا بل صناعة معمل استنساخ. الاول المذهبي مغلق على حكايات وحكم ومواعظ ومصدق انه مجاهد،
والثاني قافل على حكايات وحكم ونصوص ومصدق انه ثورجي،
وكم كانت الدهشة بحجم الكون عندما عرفت ان عالم هؤلاء تعاقب عليه القوانين في دول الحداثة لانه عالم مافيوي مغلّف كما ان قواعد الاحزاب في الترويض نفس قواعد تعليم الكلاب المنزلية على بعض العادات: التكرار، التلقين، العقاب، المكافأة.
الطائفي المذهبي المريد يعلن حرباً على أعداء لا يعرف من هم لكنه ملقن من الشيخ على عقلية الخصومة،
والطائفي اليساري الثورجي التتنجي يعلن حرباً على اعداء لا يعرفهم
لانه ملقن من الرفيق، ولو اختلفت مع ثورجي في السويد ستجد أصداء الحملة في شارع المتنبي في بغداد وفي لندن وفي أديس أبابا لأن مكتب التشهير شغال كالصيدليات الخافرة على مدار الساعة بلا توقف بقيادة الرفيق” اللبّان” أو الشيخ “التبّان” بلغة سوقية يخجل منها حثالات وزبائن الحانات الرخيصة.
الأول المذهبي تلقى أمراً والثاني تلقى توجيهاً، هنا ببغاء وهناك ببغاء وتختلف الوان الاقفاص.
هنا وهناك عواء في الليل دون معرفة السبب عندما تدوس كلباً في الظلام: ذهنية التلقين. التعصب في الحالتين إرهاب.
الطائفي المذهبي يؤمن بزمن واحد هو زمن التأسيس ويفسره على هواه،
ويلغي الازمنة وحلمه العودة للسلف الصالح،
والوهابي اليساري عنده زمن تأسيس الحزب وولادة الايديولوجيا ويفسرها على هواه ويلغي الأزمنة، ويحلم بالعودة الى زمن النص و الرفيق القائد المؤسس:
هنا وهناك تغييب للعقل واستقالة عقلية.
كل لحظة هي تٍاسيس، والحياة والبشرية تنتج أفكاراً جديدة ولسنا في متحف الشمع.
الاخر غير الشبيه للطائفي المذهبي عدو وكافر يجب أن يقتلع،
والمختلف للطائفي اليساري الثورجي عدو طبقي يجب ان يقتلع،
هناك جهاد وهنا عنف ثوري، في الحالتين قتل بلغة تبرير. لا قتل بلا لغة مبررة.
الطائفي المذهبي غارق في الطقوس ومراثي الماضي،
الحاضر عورة ونكبة ويجب تصحيح الحاضر لكي يشبه الماضي الصالح،
والطائفي اليساري غارق في طقوس التأبين ومراثي الماضي والحاضر نكبة ويجب تصحيحه لكي يشبه الماضي” الثور ــــ ي “.
كل رموز الطائفي المذهبي في الماضي والحاضر عقيم ومخصي،
وكل رموز اليساري الطائفي في الماضي، زمن المشانق والاعدامات بلا سر ثورة.
سلاح الطائفي المذهبي فتوى الشيخ، وسلاح الطائفي اليساري قرار الرفيق،
هنا وهناك تابع ومتبوع وشيخ ومريد.
هنا طاعة عمياء للشيخ وهناك طاعة عمياء وانضباط مركزي للرفيق. في الحالتين تسليم المصير: أنت تسأل والحزب يجيب. كل الاجوبة في النص هنا وهناك. الحياة لا تقدم أجوبة حسب هؤلاء بل النصوص هي المرجع.
كل الأجوبة في النص للطائفي المذهبي، وكل الاجوبة في النص للطائفي اليساري:رغم كل المذابح لكن لم يعترف هؤلاء بل ظهر ان الكوارث من صنع أشباح لأن الآلهة لا تعرف الخطأ ولا تعترف أمام البشر.
ــــــــــــ توضيح: من تولى صياغة رسائل الاحتلال والشكر عليه وجمع التواقيع هو الشيوعي التائب من الاشتراكية والصراع الطبقي والمنفى وأيام المزبن أحمد النعمان ـــــــــــ دكتور من موسكو ــــــــ وهو وكيل مخابرات محترف من قبل فاضل البراك يوم كان ملحقاً عسكرياً في موسكو ومسؤول تنظيمات البعث هناك وقد كرم أحمد النعمان بتعيينه مدير مدرسة تعلّم اللغة العربية براتب شهري كتمويه لدعم المخابرات وكما انقلب على الشيوعيين انقلب على النظام قبل الاحتلال بشهور وقفز من السفينة الغارقة وكان على وشك الانقلاب على نفسه بعد خراب الاحتلال لكن الموت داهمه في نيوكاسل ولم يكن الى جواره سوى كلبه وذكر صديقه المقرب الدكتور الكاتب عبد الخالق حسين لنا شخصياً انه قبل دخول منزله شم رائحة الجيفة من الشارع ولم يميز هل هي من الكلب أم من الجثة؟ عرض أقل