رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :كأس العالم الكروي ومظاهر العولمة

تقوم العولمة في احد ابعادها على فكرة ” الإحلال ” التي عبر عنها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم قبل اكثر من قرن ، ويتمثل الاحلال في زحزحة الروابط الألية بين افراد وشرائح المجتمعات ( Mechanical Solidarity) والمتمثلة في الروابط العرقية والدينية واللغوية ..الخ واستبدالها بروابط عضوية( Organic Solidarity) تتضح في الروابط الاقتصادية والتقنية والبيئية …الخ العابرة للحدود الويستفالية.
ويبدو ان الرياضة بدأت تساهم في نسيج العولمة بخيوط “الروابط الوجدانية والترفيهية” ، إذ نجد ان فرق الأندية الرياضية الشهيرة او المنتخبات الرياضية البارزة ، تتم مؤازرتها من قبل شرائح مجتمعية عابرة لحدود الولاء القومي او الاثني او الديني او المذهبي، فعلى سبيل المثال ، لا أظن ان هناك مجتمعات ليس فيها من يشجع فريق دولة غير دولته، ففي الاردن او الدنمارك او نيجيريا او التشيلي او روسيا او الكويت…الخ تجد من يشجع الفريق الاسباني او البرازيلي او غيره، وما ان يسجل الفريق “المحبوب” هدفا حتى يقفز جمهوره في كل دول العالم في لحظة واحدة للرقص والابتهاج ، وكان الهدف نسج وشائج ترابط وجداني غير مرئي، انها لحظات وجدانية عابرة للحدود وتتجاوز كل الولاءات والروابط الآلية لخلق “عولمة وجدانية” او ” عولمة الفرح”. .
ولا يمكن فهم هذه العولمة الوجدانية إلا إذا ذهبنا الى بنية الفرق الرياضية سواء في الاندية او المنتخبات الوطنية ، حيث سنجد طبقا لمراجع اكاديمية ما يلي:
1- نسبة اللاعبين الاجانب في الاندية الرياضية لكرة القدم تتوزع على النحو التالي:
-59% من لاعبي اندية أوروبا هم من الاجانب ومن ومواليد جنسيات أخرى(بغض النظر عن التجنيس اللاحق )
-47% من لاعبي اندية آسيا يعودون لاصول غير دولة النادي
-32% من لاعبي اندية افريقيا هم من الاجانب
-25% من لاعبي اندية امريكا اللاتينية أجانب
2- نسبة اللاعبين الاجانب في ” المنتخبات القومية ” لدول المنافسة الحالية في كرة القدم على كاس العالم هي 34%
3- لو اخذنا بعض الاندية الشهيرة مثل نادي مانشستر سيتي(Manchester City) يتبين لنا ان 81.5% من لاعبيه من الاجانب، وعلى غراره نجد أندية مثل رويال مدريد وغيرهما…الخ.
4- لو اخذنا كاس العالم للأندية في العام الماضي ، سنجد ان 14 فريقا من اصل 32 فريقا يضمون “أغلبية” اجنبية ،أي انهم من دول غير دولة النادي، وهو ما يعادل حوالي 44% من الأندية.
من جانب آخر، فان الرياضة في اطار العولمة خلقت :
أ‌- ” سوقا رياضيا” فيه سمسرة واسعار وعقود وانتقال رؤوس اموال وكل مقتضيات الصفقات التجارية.
ب‌- تدويل للمواهب الرياضية بالانتقال المتواصل من “دولة لأخرى” بدافع رباط عضوي لا رباط آلي.
ت‌- المنافسة بين الاندية الكبرى على المواهب على غرار المنافسة على المواد الخام او الاسواق او الكفاءات، وهو ما يعني تشيء الانسان (Commodification ).
ث‌- هناك عولمة ثقافية في نفس الفريق الواحد ( فنجد مثلا ان فريقا يضم لاعبين ومدربين واداريين من دول واديان والوان واعراق..الخ مختلفة)، فنجد في نفس النادي لاعب نيجيري ومدرب هولندي وطبيب مصري ،ومستثمر قطري ف، وللنادي روابط تشجيع من كل الارجاء والمجتمعات، وما يجمعهم هو روابط عضوية تعلو على الولاءات الآلية.
ج‌- تظهر حاليا وبشكل متزايد ومتسارع شبكات “للبحث وتصيد المواهب” الرياضية
لكن من الضروري التنبه الى ان عولمة الرياضة ، تضع بذورا لولاءات آلية جديدة ، وهو ما يتضح في الارتباط بالنادي (كانه عشيرة او قومية او دين) حيث يتحول النادي الرياضي الى “كيان اجتماعي تتطلب عضويته الولاء” ، بل يتمظهر هذا الولاء برموز وشعارات والوان ملابس كما لو انها اعلام الدول ، ولعل شغب الملاعب تعبير في بعض الاحيان عن ” ما يشبه الحروب الويستفالية من حيث الدلالة “، وكثيرا ما لعب الرياضيون ضد اندية او منتخبات بلادهم، فكأنهم ” منشقون” عن الولاء الآلي لصالح الولاء العضوي.
الخلاصة:
يبدو ان العولمة مزدوجة التأثير ، فهي من ناحية تخلق روابط عضوية(كما قلنا) لكنها بالمقابل تفرز روابط آلية بتحويل النادي الى ما يشبه”الوطن الرمزي” ليتحول الى نوع من الهوية الجماعية ، ذلك يعني ان العولمة اعادت توزيع الوزن النسبي للولاء العضوي والولاء الآلي في ميدان الرياضة، ولعل هذا هو ما قصده احد ابرز منظري العولمة وهو انتوني جدنز (Anthony Giddens) في قوله ان الرياضة تمثل فضاءا يتعايش فيه الولاء العضوي والولاء الآلي ولكن من خلال فضاء جديد..هو العولمة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى