رؤي ومقالات

محمود سيد يكتب :ماذا تريد واشنطن من سوريا؟ ولماذا تتحفظ دمشق على أي تدخل مباشر؟

في الثامن من ديسمبر عام 2024، لم يكن سقوط نظام بشار الأسد مجرد مشهد محلي في تاريخ سوريا، بل كان زلزالاً أعاد تشكيل حسابات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فبين ليلة وضحاها، انتقلت سوريا من خانة “الدولة المحظورة” التي تفرض عليها واشنطن عقوباتها منذ أربعين عاماً، إلى شريك محتمل في معادلات إقليمية جديدة، بل وصولاً إلى قمة جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس دونالد ترامب في الرياض، في مايو 2025. هذا التحول المذهل في المسار الدبلوماسي الأميركي يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً من أي احتفاء بروتوكولي: ما الذي تريده واشنطن حقاً من هذه الدولة التي كانت حتى الأمس القريب هدفاً لحملات إسقاط وتغيير نظام؟ ولماذا، في مقابل هذا الانفتاح الأميركي غير المسبوق، تبقى دمشق على حذرها الشديد، وتتلكأ في قبول أي تدخل مباشر، رغم أنها تغرق في مستنقع الحاجة الماسة للدعم؟

لن نخدع أنفسنا: واشنطن لم تغير موقفها من سوريا بدافع من النزعة الإنسانية أو الانتصار للديمقراطية. الولايات المتحدة، كما تخبرنا وثيقة الأمن القومي لعام 2025، لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها “تهديداً وجودياً” يستدعي نشر حاملات الطائرات أو غرف العمليات السرية، بل باتت تراها “مشكلة محتملة” يمكن إدارتها، أي نقلها من خانة الأزمة المفتوحة التي تستنزف المال والجنود، إلى خانة الملف القابل للاحتواء ضمن طاولة المفاوضات الإقليمية. وإذا بحثنا في جوهر المصالح الأميركية، نجدها تتلخص في خمسة خيوط عنكبوتية متشابكة، لكنها لا تخرج في النهاية عن هاجس واحد: إنتاج استقرار هش لا يزعج إسرائيل، ولا يعيد إنتاج تنظيم الدولة، وفي الوقت ذاته لا يمنح دمشق القوة الكافية لتكون فاعلاً مستقلاً عن الإرادة الغربية.

الملف الأمني يظل الرأس المدبب للرمح الأميركي في سوريا. فما زال نحو ألفي جندي أميركي منتشرين على الأراضي السورية، ومع أن واشنطن أنهت في فبراير 2026 انسحابها من قاعدة التنف، ومن ثلاث قواعد أخرى في الشرق، فإن هذا الانسحاب لا يعني الرحيل، بل التحول إلى صيغة أكثر مرونة. المعلن أن واشنطن تريد من دمشق أن تتولى مسؤولية مراكز احتجاز عناصر “داعش” التي تديرها “قسد” حالياً، ولكن غير المعلن أن ترامب يريد ورقة ضغط تسمح له بالقول إنه هزم الإرهاب وسحب قواته. المبعوث الأميركي توماس براك صرّح بأن سوريا باتت “شريكاً أساسياً” في التحالف الدولي، لكن السؤال المكشوف هنا: هل هذا الشراكة تعني تفويضاً أمنياً، أم أنها مجرد غطاء سياسي لإعادة توزيع الأدوار في المنطقة؟

هنا يبرز التشابك الأكثر تعقيداً بين الملف الأمني والملف الإقليمي، فما تريده واشنطن من سوريا لا ينفصل عما تريده إسرائيل، لكن مع خلاف دقيق في الدرجة. فبينما تسعى تل أبيب، بكل وضوح، إلى تفكيك سوريا على أسس طائفية وعرقية، لضمان جيران ضعفاء لا يهددون أمنها القومي، تبدو واشنطن أكثر براغماتية، وإن كانت قاسية أيضاً. أمريكا تريد سوريا “قابلة للإدارة”، لا مقتتلة ولا منهارة، بل مجرد دولة تحتاج دوماً إلى الدعم الخارجي، مثلما يعبر ترامب بتصريحاته عن دعمه لنهضة دمشق، لكن هذه النهضة المشروطة هي في جوهرها “استقرار بالتقسيط”، حيث يبقى الشعب السوري رهينة تجاذبات أميركية – إسرائيلية – تركية، وتظل مؤسسات الدولة عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي دون الرجوع إلى غرفة العمليات المشتركة التي تقترحها واشنطن كبديل عن القواعد العسكرية.

وفي المقابل، تقف دمشق على أرض مختلفة تماماً، أرضها المنهكة التي مزقتها الحروب، والتي تعلمت عبر عقد من الزمن أن أي وجود عسكري أجنبي، مهما كانت أخلاقياته المزعومة، ينتهي به المطاف إلى إنتاج مزيد من التقسيم، لا مزيد من الوحدة. تحفظ دمشق الشديد على أي تدخل مباشر ليس مجرد عناد سياسي أو حرصاً شكلياً على السيادة الوطنية، بل هو إدراك وجودي عميق بأن القبول بقاعدة عسكرية أميركية في الجنوب، أو حتى بقوات تدخلية غربية، سيكون بمثابة شرخ مؤسسي جديد في الجسد الوطني، وربما فاتحة لمرحلة أكثر دموية من مرحلة الإرهاب ذاتها. وزير الخارجية السوري نفى رسمياً وجود أي اتفاق بشأن قاعدة أميركية جنوب البلاد، لكن هذا النفي لا ينفي وجود تنسيق فعلي، بل يعكس القاعدة الثابتة في التفكير السوري السياسي: يمكننا التعاون، ولكن دون أن نكتب هذا التعاون في وثيقة تخضع لقوانين الاختراق الأميركي لاحقاً.

ربما يراهن البعض في دمشق على أن التمسك بالسيادة كخط أحمر سيجبر واشنطن على تقديم تنازلات فعلية في ملف رفع العقوبات، لكن الواقع أن الإدارة الأميركية بارعة في خلق شراكات لا تمسّ بالنفوذ، فهي تفضل أن تتولى دمشق زمام الأمور في الشرق لمكافحة الإرهاب، ولكن بشرط أن تبقى هذه العملية خاضعة لمراقبة استخباراتية أميركية. وهذا بالضبط موضع الالتباس، فدمشق تريد إعادة الإعمار وتريد التمويل وتريد الخروج من العزلة، لكنها ترفض أن تدفع ثمن ذلك بقبولها بأن تكون مجرد ظل لوجود أميركي دائم يتحكم بقرارها السيادي الأول: من نستورد منه السلاح، ومن نتعامل معه نفطياً، وكيف ندير علاقاتنا مع جيراننا.

هنا نصل إلى جوهر المفارقة: واشنطن تقدم لدمشق “إغراءات معقولة” برفع العقوبات، خصوصاً تلك المعقدة التي فرضتها على مدار أربعين عاماً، وتحاول أن تروّج لفكرة أن هذا التعاون هو الطريق الوحيد لنهضة البلاد. لكن دمشق تدرك أن خلف كل إلغاء لعقوبة هناك بند جديد للتبعية، وأن المساعدات المالية التي قد تصلها ستأتي مقيدة بجدول زمني لانتخابات أو تعديلات دستورية، بل أن أي انفراجة مالية قد تُستخدم كأداة لعقد مقارنات داخلية تضعف الحكومة الجديدة. إن التحفظ السوري ليس رفضاً للدعم، بل هو محاولة لحماية المبادرة الوطنية من أن تصبح ورقة في لعبة الشطرنج الإقليمية، حيث تتبادل إيران وتركيا وإسرائيل الأدوار على حساب السيادة السورية.

في خضم هذا المشهد، يتشكل “تفاهم براغماتي” بين الطرفين، وإن لم يُعلن عنه رسمياً. هذا التفاهم يقوم على مبدأ تبادلي ضمني: الولايات المتحدة تقدم تغطية سياسية ورفعاً تدريجياً للعقوبات، وتسهّل عودة سوريا إلى الجامعة العربية كاملة الحقوق، بل وتضغط على حلفائها الأكراد في “قسد” لتسليم مرافق النفط أو ملفات الأمن مقابل الحماية، وفي المقابل، تطلب واشنطن من دمشق ألا تكون حجر عثرة أمام المصالح الإسرائيلية، وألا تتحول إلى معقل لإيران أو الجماعات المسلحة، وأن تلتزم بمسارات مكافحة الفساد التي تفرضها المؤسسات المالية الغربية.

لكن يبقى السؤال الشائك والأكثر إثارة للقلق: كم ستدوم هذه الهدنة الهشة؟ فالولايات المتحدة تريد سوريا ضعيفة إلى الأبد، لتكون مستهلكاً آمناً للدعم الغربي، بينما تريد دمشق استعادة سيادتها الكاملة لتصبح دولة فاعلة وقوية في محيطها. هذا التناقض الجوهري يشبه جمرة تحت الرماد، قد تنفجر في أي لحظة إذا شعرت واشنطن بأن دمشق تجاوزت خطوطها الحمراء، أو إذا شعرت دمشق بأن الوجود الأميركي تحول إلى وصاية جديدة. الرهان الأكبر اليوم ليس على من يربح هذه الجولة، بل على ما إذا كان بإمكان الطرفين صياغة معادلة وسطى: أن تكتفي أميركا بالنفوذ غير المباشر عبر غرف العمليات المشتركة والدعم الاستشاري، وأن تكتفي سوريا بالانفتاح المشروط دون أن تفقد بوصلتها الوطنية. أما إذا فشل هذا المسار، فسنعود إلى مربع الصراع الأول، حيث تكون سوريا مجرد ساحة تُحسم فيها خلافات الآخرين، وتكون واشنطن مجرد لاعب آخر في لعبة التدمير، لا في لعبة البناء

وهذا لن يحدث فسوريا الان ليست سوريا الامس وقريبا سنشهد تطورات إيجابية على جميع الأصعدة ف هذا البلد العظيم.. اسال الله لهم التوفيق والسداد.

محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى