كتاب وشعراء

الغريب… بقلم ميم مشاعل

في زحام مدينةٍ تعجّ بالأصوات الصاخبة، وضجيج السيارات ووسائل المواصلات المزعجة، وصفّارات الإنذار، ونداءات بائع الخضار، وبين وجوه المارّة التي تتبدّل مع تعاقب الفصول وتبقى الأرواح على حالها؛ كان يجلس على حافة الرصيف شابٌّ كثيفُ الشعر، مغبَّرُ اللحية، بعينين ذابلتين ووجهٍ منهك، يحتضن بين يديه كتابًا قديمًا.

اعتاد الناس رؤيته في المكان ذاته منذ أسابيع، جالسًا من شروق الشمس حتى ما بعد الظهيرة. يحدّق مطوّلًا في ملامح المارّة، كأنّه يبحث في عيونهم عن شيءٍ غاب عنه… عن روحٍ رحلت فلم تعد.

في أحد الأيام، وقبل أن يحين وقت الظهيرة بدقائق معدودة، وقف طفلٌ صغيرٌ بجانبه وهمس سائلاً:
ــ ماذا تنتظر؟

فرفع رأسه مندهشًا، ثم عاد إلى الكتاب الذي بين يديه، فسقطت منه صورةٌ قديمة لفتاةٍ جميلة المنظر، بشوشة الوجه، كانت عيناها تشبه عيني الطفل. ففزّ قلبه وارتجفت يداه، ثم قام وخطواته تجرّ بعضها بعضًا مثقلةً بما رأى.

ومنذ ذلك اليوم لم يره أحد، فقد اختفى، لكن قصته لم تختفِ من أعين المارّة، وظلّ مكانه المعتاد شاهدًا عليه، وكأنّه ما زال يناظره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى