رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:من حسم الاثني عشر يوماً إلى انهيار الأربعين: كيف كسرت إيران لعبة الردع مرتين

يقولون إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتشابه. وفي الشرق الأوسط، يتشابه أحياناً ليضربك في وجهك بصدمة أكبر. حدث هذا بين حربين: الأولى في يونيو 2025، استمرت اثني عشر يوماً فقط. والثانية بدأت في أواخر فبراير 2026، واستمرت أربعين يوماً. الفرق بينهما ليس في المدة فقط، بل في قلب معادلات القوة التي ظنناها ثابتة.
لأن الحقيقة التي لا تُقال بصوت عالٍ: في يونيو 2025، انتصرت أمريكا وإسرائيل انتصاراً كاسحاً، وأرغمتا المنطقة على “إملاءات” صامتة. وفي مارس 2026، حققت إيران إنجازاً استراتيجياً كبيراً، واهتز مكان إسرائيل في الإقليم، وخسرت أمريكا أكثر مما خسرت في أي مواجهة سابقة.
حرب الاثني عشر يوماً: حين رضخ الجميع دون كلمة
لا أنسى الانطباع الذي خلّفته يونيو 2025. كان العالم يراقب صامتاً، بينما تشن إسرائيل وأمريكا ضربات جوية دقيقة ومكثفة داخل العمق الإيراني. لم تكن مجرد غارات عقابية، بل كانت عملية جراحية استباقية. المنشآت النووية والحرس الثوري ومراكز القيادة – كلها أصيبت في أيام.
والمذهل لم يكن حجم الدمار، بل غياب الرد الإيراني المتناظر. طهران، التي تهدد دائماً بـ”حرق المنطقة”، سارعت إلى احتواء الرد. صواريخ باليستية قليلة، طائرات مسيرة اعترض معظمها، ومناورة دبلوماسية لتبدو “صامدة” – لكن الواقع كان أوجع: إيران تراجعت استراتيجياً.
والنتيجة الأكثر إيلاماً للعرب؟ المنطقة بأكملها رضخت ضمنياً للإملاءات الإسرائيلية-الأمريكية. لم تعلن دول عربية ذلك صراحة، لكن سلوكها قال كل شيء: تجميد أي نقد لتل أبيب، تعاون أمني متزايد دون ضجيج إعلامي، بل وحتى تهيئة سياسية لـ”سلام اقتصادي” بشروط إسرائيلية.
كنت أكتب حينها: إسرائيل لم تنتصر فقط عسكرياً، بل انتصرت نفسياً وسياسياً في كل ساحة.
حرب الأربعين يوماً: انقلاب المعادلة
ثم جاءت نهاية فبراير 2026. إسرائيل وأمريكا ضربتا مجدداً. لكن هذه المرة، إيران كانت قد تعلمت الدرس.
لم تكن حرب الأربعين يوماً مجرد رد، بل كانت إدارة محترفة للصراع. تأخير الرد لدراسة الضربة، تشتيت الجبهات عبر لبنان واليمن والعراق، واستخدام المسيّرات والصواريخ بعناية – كلها أظهرت أن طهران لم تعد ذلك الخصم الذي يراوغ عند أول ضربة.
هذه المرة، حدث ثلاثة أشياء غيرت كل شيء:
أولاً: صمود إيران. لم تنهر البنية التحتية، ولم ينهار النظام، بل استمر القتال أربعين يوماً. هذه المدة، في حد ذاتها، كانت رسالة: “نحن قادرون على تحمل ما لا تتصورونه”.
ثانياً: انهيار أسطورة “الحسم السريع”. إسرائيل التي اعتادت إنهاء حروبها في أيام، وجدت نفسها في مستنقع استنزاف متعدد الجبهات. الجبهة الداخلية هتزت تحت وطأة الصواريخ، والردع لم يعد يعني “منع الهجوم” بل “السيطرة على حجم الضرر”.
ثالثاً: الخسارة الأمريكية الاستراتيجية. واشنطن خسرت في هذه الحرب أكثر مما كسبت. مصداقية الردع تهشمت، لأن العالم رأى أن حاملة طائرات لا تصنع انتصاراً إذا كان الخصم مستعداً للاستنزاف. الشرعية الأخلاقية تآكلت مع صور القصف الطويل. وحتى دول الخليج بدأت تهمس: “ماذا لو لم تكن المظلة مضمونة؟”
إيران حققت إنجازاً… وإسرائيل أصيبت بهزة
دعونا نكن صريحين: الرابح الاستراتيجي الأكبر في حرب الأربعين يوماً كانت إيران. لم تخض حرباً استعارية، بل أظهرت نموذجاً جديداً للقوة: القدرة على تعطيل تفوق الخصم، وليس مجرد مواجهته. “محور المقاومة” أثبت فعاليته كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وسقف الردع الإسرائيلي-الأمريكي انخفض بمقدار ملحوظ.
أما إسرائيل، فخرجت من الحرب مهزوزة بشكل غير مسبوق. لم تفقد قدرتها على الضرب، لكنها فقدت قدرتها على الردع. وازداد عزلة دبلوماسية، لأن الإقليم رأى فيها قوة قابلة للاستنزاف، وليس كما صورت نفسها لعقود: “دولة لا تُقهر”.
وإلى الغرب: لم يعد الدعم الغربي مطلقاً بعد حرب غزة 2023-2025، ثم هذه الحرب. الثقة في التفوق التكنولوجي الإسرائيلي اهتزت، والانتقادات الأخلاقية تصاعدت.
الدرس الأكبر: ليس من يضرب أولاً، بل من يصمد أكثر
الفرق بين الحربين واضح جداً، لكنه يحتاج إلى من يقرأه بعمق:
يونيو 2025 كانت حرباً تقليدية سريعة، انتهت بتراجع إيراني مهين، و”إملاءات” أمريكية-إسرائيلية صامتة على المنطقة.
فبراير-مارس 2026 كانت حرب “الحافة” بامتياز، انتهت بتحقيق إيران لمعادلة جديدة: أنت تقصف وأنا أرد، وأنت تستنزف وأنا أصمد، وأنت تتفوق وأنا أغير قواعد اللعبة.
والمؤسف أن الإعلام والسياسيين في العالم العربي لم ينتبهوا بعد إلى هذا الفارق. لا يزال البعض يتحدث عن “قوة إسرائيل” كما لو أن شيئاً لم يتغير. لكن القادة العسكريين والمحللين الاستراتيجيين في طهران وتل أبيب وواشنطن يعرفون الحقيقة: حرب الاثني عشر يوماً كانت القفص الذي وُضعت فيه إيران. وحرب الأربعين يوماً كانت تحطيمه.
في عالم “الحرب المُدارة” الذي نعيشه اليوم، لم يعد السؤال: من الذي يملك أسلحة أكثر؟ بل: من يستطيع أن يبقى صامداً عندما تنهار كل القواعد القديمة؟ وهذا تحديداً ما أنجزته إيران في الأربعين يوماً.. بينما أمريكا وإسرائيل لا تزالان تحاولان فهم ما حدث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى