رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :إكذوبة القاتل العقائدي

ــــــ الشر ليس دائمًا نتيجة لتطرف إيديولوجي، بل قد ينبع من عجز الشخص عن التفكير النقدي والتمسك بالمعايير الأخلاقية* حنة أرنديت. إيخمان في القدس: تفاهة الشر.
يبدو ان جميع القتلة المقبوض عليهم بعد سقوط دكتاتورية كشخصيات تافهة وسطحية لا تقتل من أجل عقيدة، من أي نوع، بل هذا غطاء لدوافع أعمق كالسيكوباتية والنرجسية الخفية والانحرافات والتشوهات العميقة.
بهذه الطريقة تتحول التفاهة الى مهمة عقائدية والجمهور الذي يمنح هؤلاء هذه الصفة العقائدية يفتح باب طوارئ لهؤلاء كضحايا أفكار وغطاء للاضطرابات الشخصية.
الجمهور الذي يتعامل مع هؤلاء على انهم ينفذون الجريمة لسبب عقائدي يحول المعنى الحقيقي للجريمة الى معنى زائف وتحويل الشخصية المضطربة الى شخصية ” مفكرة” في حين هؤلاء ينجذبون الى التبسيط والاختزال وتقسيم العالم الى أبيض وأسود كما في المنظمات الارهابية.
هذا التبسيط والاختزال والاختصار مريح للشخصية الاجرامية من التفكير العميق الذي لا يخضع لرغبة في الارادة لانه مفرغ من المعرفة والمعنى السوي ومعبأ بالقسوة والاضطراب ولا يؤمن أو حتى يعرف العقيدة التي يقتل لأجلها لأنها غطاء وقشرة خارجية تبرر الجريمة.
ليس كل افعال الشر تصدر من دوافع عميقة عقائدية او ايديولوجية او عاطفية بل في حالات كثيرة تصدر بسبب السطحية والمزاج والتفاهة والضحالة الاخلاقية ورغبة التمتع لكننا في أسوأ تقليد نمنح كل مجرم وقاتل ومحتال هوية عقائدية مزيفة كقاتل لدوافع عميقة.
في كتابها” إيخمان في القدس: تفاهة الشر” عندما حضرت حنة أرنديت محاكمة النازي أدولف أيخمان في القدس عام 1961 الذي خطف من الارجنتين لم تجد أرندت في أيخمان وحشًا أيديولوجيًا متصلبًا أو شيطانًا ساديًا مدفوعًا بكراهية بل وجدته شخصية ضحلة وسطحية وتافهة وجرائمه لا تنبع من دوافع عميقة بل هو مجرد ” قاتل مكتب” ينفذ واجباً.
عادة هذا النوع من الشخصيات المريضة تعيش في عالم من القوالب والتصنيفات الشائعة والحدود القاطعة عن الاشخاص والجماعات وتصنيفهم على أسس سطحية نمطية لتبرير العدوان عليهم ولاحظت أرنديت ان ايخمان عاجز عن التفكير في دوافع أعماله لانه منفذ مهمة بلا سؤال أخلاقي.
تذهب أرنديت هنا أبعد من موضوع النازي الى أن الشر نفسه سطحي وانه يمكن ان يقوم به من قبل افراد عاديين وغالبا نحن العرب ما نمنح هؤلاء هوية عقائدية او ايديولوجية مما يشكل مخرج طوارئ للقاتل ويعفيه من الجريمة الى دوافع عميقة تربى أو تعلم عليها وليست هذه الحقيقة.
غالبا ما يكون هذا الصنف” صائع وضائع” بلا هوية شخصية ويجد في جماعة هوية جديدة تنقذه من عاره وبؤسه ويحمل هوية الجماعة أو المنظمة او السلطة ويختفي تاريخه الشخصي الذي يتحول الى نسيان ويبدأ في بناء ذاكرة جديدة لا تتأسس على عقل أو ضمير أو دين أو فكرة بل هذه أقنعة.
عند القبض عليه قال أمجد يوسف مرتكب مجزرة ” التضامن” في سوريا في اعترافات موثقة إن أحداً لم يطلب منه القتل وهو تصرف شخصي منه، لكن هذا القاتل حتى لو لم يستلم أوامر قتل بتلك الطريقة الشنيعة، لكن وجد نفسه داخل شبكة نظام اجرامي يبيح القتل. أي أن أوامر القتل موجودة في تركيبة النظام. كان يبدو شخصاً بليداً وتافهاً وسطحياً لكن الجريمة لا تحتاج أكثر من ذلك كما أن الذين قبضوا عليه ليسوا أفضل حالاً منه في الابادة. كان هو المرآة.
عادة نذهب الى التفسير الواحد لاحداث معقدة ومركبة ودوافع خفية ومثلا وقف مجرمون انذال بجرائم مخلة بالشرف امام المشنقة بكل ثبات وسخرية من الجلادين ولا يعود السبب الى شجاعة وقوة شخصية كما نفسر دائما بل تقف خلف هذا” الثبات الانفعالي” دوافع كالخوف من الشماتة والحفاظ على الصيت والسمعة وترك بصمة استعراضية كما ان الشخصية السيكوباتية والنرجسية الخفية تتميز بهذا الثبات الانفعالي من خلال خلق سيناريو داخلي يساعدها في عبور تلك اللحظة كما في حالة صدام حسين على منصة الشنق.
التهرب من الذات بتدمير أخرى هو ” صفقة مغبون” لأنها صفقة عابرة وسطحية وتراكم الأزمة وتجعلها كابوساً يومياً وبحثاُ عن ضحية جديدة كالأدمان على المخدرات باختراع عناوين مزيفة.
القتل المجاني لا يقوم به إلا وحش تخلى عن عالم البشر، وحوّل ضحاياه إلى” أشياء” يسهل تفكيك أجسادهم كما يفكك الشخص جهاز راديو أو عجلة أو سيارة أو هاتف، وفي هذه الحالة لا يتعاطف الانسان مع آلة.
التشيؤ Reification تحويل الآخر الى شيء والتعامل معه على هذا الأساس يبرر كل الأفعال القذرة ضده،
من الخيانة إلى القتل والتعذيب مع مبدأ جديد لم تعرفه البربرية القديمة وهو المتعة والتلذذ بالقتل. البربريات السابقة تكتفي بالقتل.
وهو ما يؤكد عليه إريك فروم الفيلسوف وعالم النفس والاجتماع
في كتابه المرجعي ” النيكروفيلية” أو النزعية التدميرية، وهي نزعة لا توجد عند الحيوان لأن هدفه الشبع فقط، في حين التدمير الممنهج خاصية بشرية،
وليس فقط التدمير بل متعة القتل ولذة التعذيب، حتى لو كان قد وضع ذلك في إطار أو تبرير عقلاني كفكرة الواجب وحماية النظام أو المجتمع او القانون والخ.
لا يمكن التعامل مع هؤلاء من باب التحليل السياسي بل من باب علم النفس المرضي كمختلين عقلياً لان الانسان الطبيعي يتوجع من افعال هؤلاء وهو الفارق بين الانسان السوي والمختل.
هذا الصنف من القتلة يعد تطوراً في الشذوذ البشري ولا يتورع هؤلاء عن ممارسة كل أنواع السلوكيات المنحطة من قتل النساء والاطفال والشيوخ الى اغتصاب الأسرى مع طقوس احتفالية .
يشعر هؤلاء بالاثارة التي تتفوق على الاثارة الجنسية في رؤية الضحية تعاني من الموت وتحتضر ــــ كان ذلك واضحا من الصور والافلام الوثائقية من هواتف القتلة.
اللذة هنا نوع من التعويض عن حقارة نفسية أو نبذ إجتماعي أو شعور بالعار والدونية وغير ذلك وهي متعة النصر الوحشي .
التحليل السياسي السطحي هو براءة ذمة لهؤلاء القتلة والنصابين والمرضى ونقلهم من حقل الامراض المشوهة الى قادة وزعماء وأصحاب عقائد،
وكما قال جان بول سارتر:” إن الناس الأكثر وعياً وادراكاً لايمكن ان يكونوا أشراراً . لأن الشر يتطلب غباءً ومحدوديةً في التفكير”.
رفضت أرنديت في كتابها”آيخمان في القدس: تفاهة الشر” وقد حضرت جلسات المحاكمة في القدس،
في أن يكون آيخمان قاتلاً نازياً مؤمناً بعقيدة، بل رأت فيه “كشخص ضحل بلا ضمير وتافه وبلا مشاعر” ولا يؤمن بأي عقيدة أو نظرية و” قاتل المكتب” هذا لم يسمع في حياته ما يندد بضمير السوء.
الزوجة التي تقوم بتقطيع جسد زوجها مع عشيق لم تكن قرأت كتاباً عن” العنف الثوري” بل هذا الصنف من القتلة تكون فكرة القتل جزءاً من التصميم النفسي والجسدي المختل لهم: العقرب لا تحمل معها مختبراً لصناعة السم بل جزء من هندستها الطبيعية. من حاول قتل نجيب محفوظ في الشارع وقطع رقبته بسكين قال في المحكمة إنه لم يقرأ لنجيب محفوظ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب لكنه “سمع “ان الروائي كافر.
هؤلاء خطر حتى على النظام الذي ينتمون اليه لأنهم سينقضون عليه للدوافع نفسها بلغة التبرير نفسها والجنون نفسه.
لا يحدث تعذيب الآخر المختلف وغير الشبيه أو تقطيع الجثة، أو استغلال الضحية أو قتلها إلا، والكلام لأريك فروم، إلا بعد تحويل ” الآخر” الى” شيء” بحيث يسهل تحطيمه أو استغلاله أو تفكيكه الى أجزاء صغيرة، ولا يتعاطف هذا المريض مع” شيء” خلال عملية التفكيك أو الاستغلال،
كما لا يمكن أن يتعاطف الفرد خلال تفكيك أو تحطيم جهاز راديو أو سيارة أو طاولة أو كرسي،
لأن الخلفية المرضية تمتلك لغة تبرير وقناعات مشوهة مغروزة في العمق تساعد على تبرير العمل الوحشي.
تحويل الآخر إلى ” شيء” يجعل الجاني عديم الاحساس به بل يثير فيه الانتقام والاستغلال نزعة الابتهاج والاثارة والقوة، لموت وتفسخ كل القيم والمبادئ الرادعة وفي المقدمة الضمير وعندما يكون الانسان بلا ضمير يكون كذئب جائع أطلق في روضة أطفال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى