
لم يكن أبي كثيرَ الكلام،
لكن كفّيه
كانتا خريطتين ممزّقتين لكل الطرق التي سارها وحده
كي لا نسيرها.
تشقّق جلدهما من مصافحة الحديد،
ومن شدّ الحبال التي لا تُرى،
ومن حمل الأيام
كأنها أكياس حجارة لا تنتهي.
كان يعود كل مساء
كأن المساء هو الذي يعيده،
يدخل محنيًّا قليلًا،
ليس احترامًا للبيت،
بل لأن ظهره لم يعد يعرف كيف يستقيم.
كان يخلع حذاءه ببطء،
كأن الأرض ما زالت عالقة فيه،
ويهزّ كتفيه
فتتساقط عنه ساعات النهار
مثل غبارٍ عن جثةٍ نجت بالكاد.
كان يترك عند الباب تعبه،
أو هكذا كنّا نظن،
لكن الحقيقة أن التعب كان يدخل معه
ويجلس إلى جواره ويأكل من صمته.
حين كنّا نخاف،
كان يقول: لا شيء،
بينما كان كلّ شيء ينهار داخله.
كان يقف أمام مخاوفنا كجدارٍ قديم،
ليس لأنه قوي،
بل لأنه لا يملك رفاهية السقوط.
يتشقق
يتصدّع
يتآكل بصمت،
وكلّ شقّ فيه كان صرخةً لم تخرج كي لا نرتعب.
كان يُخفي يديه في جيوبٍ مثقوبة،
كأنها اعترافٌ دائم
بأن ما يُخفيه أكبر من أن يُخفى.
وكان يبتسم،
يا لتلك الابتسامة
كانت تُشبه ضوءًا كاذبًا في آخر نفقٍ لا نهاية له،
ابتسامة رجلٍ
يوقّع كل يوم على خسارةٍ جديدة
ويقول: أنا بخير.
لم يطلب شيئًا،
حتى حين كان يحتاج كل شيء،
حتى حين كانت روحه تتسوّل لحظة راحة
ولا تجد.
كلّ ما أراده
أن ننام،
أن نكبر،
أن نعبر فوقه
كما يُعبر الجسر، دون أن نسمع صرير تشقّقاته
تحت أقدامنا.
وكبرنا
كبرنا بطريقةٍ قاسية،
كبرنا كما تكبر المسافات،
لا كما يكبر الأبناء.
كبرنا
ونحن نُتقن فنّ الغياب،
ونمارس النسيان كأنه حقٌّ مكتسب.
تركناه
تركناه
في منتصف الطريق الذي بدأه لأجلنا،
يمشيه وحده حتى بعد أن وصلنا.
تركناه
واقفًا في زاويةٍ باردة من الزمن،
كمعطفٍ قديم لم نعد نحتاج دفأه،
كصوتٍ خافت
لا يناسب ضجيج حياتنا الجديدة.
صرنا نمرّ عليه ونُسلّم ببرود،
ننظر إليه كما يُنظر إلى ذكرى
فقدت أهميتها.
لم ننتبه
كيف صارت عيناه بحيرتين من تعب،
ولا كيف صار صوته
يبحث عن نفسه في حلقٍ جفّ من الصمت.
لم نرَ
كيف كان الليل ينهشه ببطء،
كيف كان يسهر
لا ليعمل، بل ليتألم بهدوء.
كان يجلس وحده، يحدّق في الفراغ
كأن فيه حياةً أخرى
لم يعشها.
يمدّ يده أحيانًا كأنه سيقول شيئًا،
ثم يتراجع،
كأن الكلمات تخونه كما خذلناه.
كان يقتطع من جسده
أيامًا،
ومن قلبه
طمأنينة،
ويعطينا،
يعطينا حتى لم يبقَ فيه ما يُعطى.
كان يذوب
ببطءٍ مروّع، كما تذوب الشموع
في غرفٍ لا يدخلها أحد.
وحين اشتدّ عليه الليل،
لم يجد كتفًا،
لم يجد صوتًا،
لم يجدنا.
جلس وحيدًا،
يجمع ما تبقّى منه كمن يجمع شظايا نفسه
بعد انفجارٍ صامت.
يمسح على ذاكرته كأنها طفلٌ ضائع،
يناديه ولا يعود.
أبي
ذلك الذي كلما انكسر لم يُصدر صوتًا،
كأن الألم
واجبٌ شخصي لا يجوز مشاركته.
كان يرمّم نفسه
ببقايا صبر،
بفتات أمل،
بكذبةٍ صغيرة
يقولها لنفسه:
غدًا سيكون أخف.
لكن الغد لم يكن أخف،
ولا نحن
كنّا أحنّ.
كنّا نأخذ منه الحياة كما تُؤخذ الأشياء المجانية،
بلا امتنان،
بلا التفات،
نسرق دفأه،
نستهلك حضوره،
ثم نغادر دون أن نترك له حتى أثرًا منّا.
حتى صار
يبهت
يتلاشى
كصورةٍ قديمة محاها الضوء.
حتى صار
ظلًا بلا جسد، وصوتًا بلا صدى،
وأبًا
ينجو بنا ويغرق وحده.
لكن الحقيقة تلك التي لا تُقال
أننا لم نتركه فقط
نحن
كنّا الامتحان الذي خسره وهو ينجح،
والخسارة
التي ظنّها نجاة.
كنّا خطأه النبيل،
المعجزة التي استنزفته،
والحياة التي عبرته دون أن تعترف
أنها قامت عليه.
وهو لم يكن ينتظر عودتنا،
كان ينتظر أن يفهم أخيرًا كيف يمكن لشيءٍ
أن يكون كلَّ هذا العطاء وكلَّ هذا الفقد
في اللحظة نفسها.
كيف يمكن للأب أن يُنقذ أبناءه من السقوط،
ثم يكتشف
أنه هو كان السقوط نفسه،
وأننا لم نكن نبتعد عنه
بل كنّا، بكل خطوةٍ نكبرها،
نُكمل ذلك الانهيار الهادئ الذي بدأه
حين اختار أن يكون لنا
كلّ شيء.