
كتب:هان ي الكنيسي
لم تتوقف التنظيرات والتحليلات لأسباب التراجع المفاجئ عن “مشروع الحرية” بعد نحو 48 ساعة لا غير من إعلان ترمب السابق أن قوات البحربة الأمريكية في الخليج ستتولى “مرافقة” السفن وناقلات النفط لتأمين عبورها مضيق هرمز “المحاصر إيرانيًا”.
لكن أكثر تلك المقاربات إثارة، كان تقرير شبكة ‘ان بي سي نيوز’ NBC News الأمريكية الذي عزا قرار واشنطن بتعليق خطتها الخاصة إلى “رفض السعودية استخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لتنفيذ المهمة”، واصفًا ذلك بأنها “خطوة قلبت حسابات البيت الأبيض في توقيت حساس”.
وفقا لتلك السردية، فإن التراجع “المرتبك” -أمس الأربعاء- للرئيس البرتقالي الذي غلّفه بتصريحات “متفائلة” عن قرب الاتفاق مع طهران وأرفقه بتسريبات في الإعلام الأمريكي من نوعية “مهلة 48 ساعة” لكي تقبل إيران مذكرة شروط من صفحة واحدة، و”إلا سنقصفهم بقوة” .. هذا التحوّل لم يكن مجرد تعديل تكتيكي بقدر ما كان كاشفًا لشرخ “حساس” في بنية العلاقة المتميزة بين واشنطن والرياض منذ عقود .. خلاف في الكواليس حول كيفية إدارة المواجهة مع إيران، واعتراض مباشر على مغامرة أمريكية في المنطقة ترفض السعودية أن تكون جبهتها الأمامية.
تنقل ‘إن بي سي’ عن مسؤولين “مطلعين” أن الدراما بدأت يوم الأحد الماضي عندما أعلن ترمب، وبشكل مفاجئ عبر منصته ‘تروث سوشيال’، إطلاق عملية عسكرية تحت اسم “مشروع الحرية”، هدفها كسر ما وصفه البيت الأبيض بالحصار الإيراني للممر البحري الاستراتيجي المسؤول عن خُمس تجارة النفط العالمية. لكن العملية التي روّج لها البنتاغون باعتبارها استعراضًا للعضلات الأمريكية وواكبها قصف لزوارق البحرية الإيرانية التي حاولت اعتراض مدمرات أمريكية وسفن تابعة لشركات ملاحة دولية، انتهت خلال يومين فقط إلى إعلان تعليق مؤقت بذريعة “فرصة سانحة للسلام”.
خلف الكواليس، تقول الرواية المنقولة عن مسؤولين أمريكيين إن ترمب أعلن العملية على السوشيال ميديا ظهر الأحد “من دون تنسيق مسبق مع الشركاء الإقليميين”، وهو ما أثار غضب القيادة السعودية التي اعتبرت أن واشنطن “تتصرف بشكل أحادي في أزمة قد تشعل المنطقة بأكملها”. وفي تعليق يعكس مدى الارتباك في تلك اللحظة، قال مصدر سعودي للشبكة الأمريكية: “المشكلة أن الأحداث كانت تجري بسرعة فائقة، دون تنسيق”.
وبرغم أن مسؤولًا في البيت الأبيض نفى تلك الرواية، مؤكدًا أن “الحلفاء الإقليميين أُبلغوا مسبقًا”، إلا أن دبلوماسيين خليجيين أكدوا لاحقًا للصحفيين أن كثيرًا من العواصم علمت بالخطة الأمريكية “بعد إعلانها لا قبلها”.
وسرعان ما تُرجم ذلك الغضب إلى قرار سعودي بـ”منع وصول القوات الأمريكية إلى قواعد جوية ومجال جوي حيويين للعملية، وفي مقدمتها قاعدة الأمير سلطان جنوب شرق الرياض، كما قيّدت حقوق التحليق الضرورية فوق الخليج”.
أي أن الخلاف لم يكن شكليًا؛ فقاعدة الأمير سلطان الجوية تضم مقاتلات أمريكية وناقلات وقود وأنظمة دفاع جوي، وهي العمود الفقري لأي “مظلة دفاعية” فوق السفن العابرة لمضيق هرمز. وعندما سئل مسؤول في الجيش الأمريكي عمن يتحكم فعليًا في إيقاع منطقة الخليج في هذه المرحلة، كان ردّه الكاشف: “بسبب الجغرافيا، أنت بحاجة إلى تعاون الشركاء الإقليميين لاستخدام مجالهم الجوي على طول حدودهم .. وفي بعض الحالات، لا يوجد بديل آخر”.
حتى المكالمة الهاتفية بين ترمب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان “لم تُنهِ الخلاف”، وفق ما ذكره تقرير ‘إن بي سي’، ما اضطر الرئيس الأمريكي إلى تعليق “مشروع الحرية” الذي كان يٌعوّل عليه لإعادة فتح هرمز المحاصر.
وبينما كانت واشنطن تحاول احتواء هذا الارتباك غير المسبوق، التقطت طهران الرسالة سريعًا، وسخر رئيس البرلمان الإيراني’ محمد قاليباف’ من التراجع الأمريكي، معتبرًا أن “معادلة جديدة تُرسى الآن في مضيق هرمز”.
وبحسب تقارير ‘سي بي إس نيوز’ و’وول ستريت جورنال’، رأت إيران في “الفيتو السعودي” فرصة لإظهار واشنطن بمظهر القوة المقيدة، غير القادرة على فرض إرادتها حتى داخل المجال الاستراتيجي الذي طالما اعتبرته منطقة نفوذ مطلق.
لكن ما بدا أكثر دلالة من خطوة التراجع العسكري، كان ما كشفته التسريبات اللاحقة عن حجم الاستياء السعودي المتنامي إزاء استراتيجية ترمب في التعامل مع الأزمة برمتها.
إذ تداول الإعلام الغربي والعبري تصريحات منسوبة لشخصيات “من العائلة المالكة السعودية”، تصف الحرب التي شنها ترمب على إيران بأنها “عبثية”. ونقل موقع N12 الإسرائيلي عن مصدر رفيع في العائلة الملكية قوله حرفيًا “إن الحملة الأمريكية تحقق عكس أهدافها”، مضيفًا أن سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبعها واشنطن لا تدفع طهران إلى التراجع، بل “تدفعها عمليًا إلى تسريع جهودها للحصول على سلاح نووي بطرق أكثر سرية وتعقيدًا”.
التصريح -إن صحّ- يعكس إذن “قناعة أوسع” لدى الرياض بأن الضغط العسكري والاقتصادي المكثف سيدفع إيران إلى الاتجاه المعاكس (التعجيل بامتلاك رادع نووي)، ويعبّر عن استيائها من استراتيجية أمريكية “لن تجدي بدون إسقاط النظام في طهران”، وهو ما يكشفه قول المسؤول نفسه: “إما أن يُطيح ترمب بالنظام الإيراني كما فعل سلفه بوش في بغداد، أو ما كان ينبغي له أن يخوض هذه الحرب من الأساس.”
وطبعا التشبيه هنا بإسقاط صدام حسين واضح في دلالته الرمزية على أمنيةً خليجية (لم تتحقق في الحرب الأخيرة على إيران)، تتطلّب غزوًا بريًا أمريكيًا -كما حدث في العراق عام 2003.
لكن في السياق الأوسع، تكشف هذه التسريبات عن تحوّل مهم في المزاج السياسي الخليجي. فالسعودية التي كانت تاريخيًا الشريك الأكثر التصاقًا بالاستراتيجية الأمنية الأمريكية في الخليج، باتت اليوم أكثر حذرًا تجاه الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع طهران، قد تدفع ثمنها مع تحول أراضي المملكة ومنشآتها النفطية إلى ساحة رد إيراني مباشر.
ولعل تصريح المصدر الملكي السعودي الذي نقله الموقع العبري كان بالغ التعبير، حين قال:“هذه ليست حربنا”. أي نفس رد الحلفاء الأوروبيين على طلب ترمب المشاركة في حربه “العبثية” على إيران.