الكاتب والأديب حامد عبد الضبياني.. من طين البدايات إلى أفق المعنى: سيرةٌ تتأرجح بين الحلم وانكسار الواقع

في البدء، لم يكن الاسم سوى نداءٍ في فضاء الريف، ولم تكن الحياة أكثر من بيتٍ صغيرٍ يتَّكئ على ذاكرة الأرض. هناك، في عام 1968، وُلد الإعلامي حامد عبد محمد الضبياني في منطقة تلّ الأسمر، في بزايز خريسان، كأنّه انبثق من طينٍ قديمٍ يحتفظ بأسرار الحضارات الأولى، حيث “اشنونا” ليست مجرد أثرٍ تاريخي، بل ظلٌّ ممتد في الروح، يعلّم أبناءه كيف يصغون للزمن في مضيف الجدّ، حيث تتعانق الحكايات مع رائحة القهوة، بدأ التكوين الأول.
لم تكن الأبجدية تُلقّن، بل كانت تُروى.. الأب عبد محمد، والجدّة التي كانت تنسج الخيال كما تنسج الأمهاتُ الحنين، كلاهما شكّلا ذلك النسيج السِّرِّي الذي سيغدو لاحقاً لغةً.
هناك، تعلّم أنَّ الأدب ليس كلمات، بل مصير؛ وأنَّ الحكاية ليست تسلية، بل طريقة لمقاومة العدم.. كان الطريق، كما هي طرق العراق، لا يُفضي دائماً إلى نهاياتٍ عادلة.
بعد تخرّجه من الإعدادية، دخل معهداً تقنياً، لكنه لم يكمله. لم يكن العجز في القدرة، بل في المعنى؛ إذ اصطدم مبكراً بمرارة واقعٍ لا يُنصف الشهادات، ولا يفتح الأبواب لمن ينتظرون العدالة. تلك اللحظة لم تكن سقوطاً، بل انكساراً أولياً أعاد توجيه البوصلة نحو الداخل، نحو الفن، نحو الشعر، حيث لا سلطة إلا للروح.في الإعدادية، التقى بأصدقائه، وهناك بدأت الشرارة. لم يكن الفن مشروعاً واضحاً، بل نزوعاً غامضاً نحو التعبير. انتمى إلى فرقة أضواء شباب بعقوبة بإشراف المخرج الدكتور إبراهيم النعمة، لكنه لم يلبث طويلاً في المسرح، كأنَّ الخشبة لم تستوعب اتساع صوته الداخلي. فاختار الشعر، أو ربما اختاره الشعر.انتمى إلى جمعية الشعراء الشعبيين في ديالى، وهناك بدأت الرحلة الحقيقية، حيث صار الحرف بيتاً، وصار اللقاء مع الكبار نوعاً من التتلمذ الصامت. على يد الكاتب والإذاعي الكبير سعدون شفيق سعيد ، الذي اعتبره أباً روحيَّاً، تشكّلت ملامح الوعي، وتعلّم أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون جمالاً.
عام 1984، لم يكن مجرد تاريخ، بل لحظة انضمام إلى كوكبة من الشعراء الشباب الشعبيين: جاسم الحنود، أيوب العبيدي، إبراهيم رمضان، وحيدر الحسيني. كانت تلك الجماعة أشبه بجيلٍ يبحث عن صوته وسط الضجيج. وكان للكاتب والشاعر الكبير محمود معود الغزي فضلٌ كبير في دفعه نحو هذا العالم، حين أخذه إلى الجمعية، حيث التقى بنخبةٍ من الإعلاميين والشعراء، ومن بينهم الشاعر الكبير ياسين آل ياس الذي أخذ بيده نحو أفقٍ أوسع، نحو حروفٍ تتجاوز المألوف إلى إبداعٍ خلاق.
لكن السيرة هنا لا تُروى كتعاقبٍ للأحداث، بل كتحوّلٍ مستمر. فقد تنقّل بين المؤسسات الثقافية العربية والعالمية، كأنّه يبحث عن وطنٍ موازٍ في الكلمة. شغل مواقع عديدة: رئيس رابط المبدعين العرب فرع العراق، نائب الهيئة العالمية للمبدعين، عضو جمعية الشعراء الشعبيين حتى أصبح نائبًا للرئيس، وسفيراً للمبدعين العرب للأدب والثقافة والإعلام.
لم تكن هذه المناصب مجرّد ألقاب، بل محاولات لتثبيت المعنى في عالمٍ متغيّر. كان عضواً مؤسِّساً في اتحاد الصحفيين والإعلاميين العراقيين، وفي تجمُّع اتحاد الصحفيين العراقيين، وعضواً في نقابة الفنانين العراقيين، واتحاد المسرحيين العراقيين. عمل مديراً للبث في إذاعة القرآن الكريم، وكأن صوته كان يبحث عن امتدادٍ يتجاوز الأرض.أسَّس وكالاتٍ وصحفاً ومجلاتٍ: وكالة بلالاما الدولية، ووكالة أدد الإخبارية الدولية، ومجلة صدى الثقافة، ومجلة جسور الأدب في إيطاليا، وجريدة أوراق ثقافية. لم يكن التأسيس مجرَّد فعل إداري، بل رغبة في خلق منصَّاتٍ تُنقذ الكلمة من العزلة.
كتب في الصحف المحلية والعربية: القادسية، الثورة، الجمهورية، ألف باء، الراصد، فنون، الشرق العراقية، المصير، العراق، الدستور، الصباح، الصباح الجديد، الرشيد… كأنّه كان يزرع حضوره في كل مكان، لا ليُثبت ذاته، بل ليقاوم النسيان.عمل في فضائية ديالى، لكنه غادرها لأنها لم تكن بمستوى طموحه. هذه المفارقة تتكرَّر في سيرته: كلما اقترب من مكان، اكتشف أنَّه أضيق من حلمه. فكان الرحيل جزءاً من تكوينه.
نُشرت كتاباته في المغرب والجزائر، وكتب في مواقع عربية وأجنبية، واهتمَّت به وسائل إعلام دولية، حتى عرضت فضائية ألبانية سيرته. كأنَّ صوته، الخارج من قرية صغيرة، صار يعبر الحدود دون أن يفقد لهجته الأولى.
نال جوائز وأوسمة عديدة: الوسام الذهبي في المغرب، وتاج التراث الذهبي كأفضل عشرين صحفيًا دوليًا في آسيا، وشهادات دكتوراه فخرية من أمريكا وطاجكستان، وأكثر من خمسين شهادة دولية.
حمل ألقاباً أدبية متعدِّدة: شاعر الحب والسلام، راهب الحب، أرض الحب، وملك الكلمة الإعلامية.لكن، وسط هذا التراكم، يظلُّ السؤال الفلسفي قائماً: هل الجوائز تعوّض ما فُقد؟ أم أنها مجرد اعترافٍ متأخِّر بأنَّ الطريق كان شاقًا؟
في دواوينه: (يا صاحبة الجلالة، صرخة حب، أرض الحب) يتجلّى ذلك التوتُّر بين الحلم والواقع.. عناوينه نفسها تبدو كصرخاتٍ مكتوبة، كأنَّها لا تريد أن تُقرأ فقط، بل أن تُسمع.
أما دواوينه التي تنتظر الطبع: (بنت السياب، أوراق حب ميتة، ديون جرح شامخ) فهي ليست مشاريع مؤجَّلة، بل شواهد على أنَّ الرحلة لم تنتهِ بعد.
كُتب عنه في مؤلفات عدَّة، منها: “في أروقة اتحاد الأدباء في ديالى للكاتب ثابت حسن حمد، وروافد ديالى الفنية والثقافية للدكتور إبراهيم النعمة”. وكأنَّ الآخرين بدأوا يروون حكايته، بعد أن أمضى عمره يروي حكايات الآخرين.
انتُخب رئيساً للجنة الإعلامية في مهرجانات دولية، منها المهرجان الأفروآسيوي في السنغال، والمهرجان الدولي ليوم الأرض، ومهرجان ذوي الاحتياجات الخاصة. وهذه ليست مجرد مشاركات، بل إشارات إلى أن صوته صار جزءاً من خطابٍ إنساني أوسع.
وفي النهاية، لا تبدو سيرة حامد عبد محمد الضبياني مجرد تراكمٍ للإنجازات، بل مساراً وجودياً بين الفرح والوجع. من بيتٍ ريفي صغير، إلى فضاءٍ عالمي، ظلّ يحمل معه تلك الحكايات الأولى، كأنَّها البوصلة الوحيدة التي لم تخنه.. إنَّها سيرة رجلٍ لم يبحث عن الطريق، بل صنعه بالكلمة. رجلٍ أدرك مبكراً أنَّ الحياة ليست ما نعيشه، بل ما نكتبه عنها….
ثابت الثابت..
2026/5/5