تقارير وتحقيقات

دروس’سان دييغو’.. حين يفضح الخطاب الإعلامي “ازدواجية” المعايير بين “الكراهية” و”الإرهاب”

كتب:هاني الكنيسي
لغةُ الإعلام الأمريكي والغربي في تغطية واقعة الهجوم المسلّح على المركز الإسلامي في مدينة ‘سان دييغو’ بولاية كاليفورنيا الأمريكية، تقدّم درسًا عمليًا صارخًا في اختلال المعايير التحريرية والأخلاقية عندما تسود الأجندة السياسية ويتغلّب الهوى الأيديولوجي.
فصياغة العناوين، وموقع الخبر في الترتيب، والمساحة (أو الزمن)، وقبلها المفردات المستخدمة في وصف أحداثه وشخوصه، تكشف في مجملها “الفجوة” في التعاطف الإنساني بين دمٍ يُعامل كقضية رأي عام ودمٍ يُختزل في حادث أمني.
في بداية تغطية الهجوم الذي أودى بحياة ثلاثة مسلمين (بينهم حارس الأمن) داخل المركز، غلبت على التغطيات الأمريكية والدولية توصيفات “قانونية” صماء من نوعية “إطلاق نار” shooting، “مسلح نشط ” active shooter، أو “اشتباه في جريمة كراهية” suspected hate crime.
وكالة رويترز قالت إن الشرطة تحقق في الحادث بوصفه “جريمة كراهية” من دون وجود “دافع محدد”. بينما اكتفت وكالة أسوشيتدبرس AP بالحديث عن “إطلاق نار على مسجد”، مع الإشارة إلى أن “التحقيقات جارية لكشف الدوافع”.
أما الصحف الأمريكية الكبرى، فغلّفت سرديتها بلغة “باردة”. إذ تحدثت ‘نيويورك تايمز’ مثلًا، عن “إطلاق نار في مسجد سان دييغو”، مع الإشارة إلى أن الرئيس ترمب والسلطات الأمنية تتعامل معه “كجريمة كراهية”.
أما ‘واشنطن بوست’، فاختارت عنوانًا يركّز على “عدد القتلى والمشتبه بهم”، متجاهلةً في المتن البعد “الأيديولوجي” أو االعنصري للهجوم.
وكذلك الحال في تغطيات ‘وول ستريت جورنال’ ومجلة ‘تايم’، حيث كان التركيز على البعد الأمني والإجرائي للحادث، لا على دلالاته المجتمعية أو مؤشرات “التطرف الفكري والعنصرية”. وذلك برغم ما نقلته شبكة CNN وصحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن مسؤولين أمنيين، عما عُثر عليه مع منفذيْ الهجوم من كتابات ورموز عنصرية، مثل رسالة الانتحار التي تركها أحدهما لوالدته والتي تعبّر بوضوح عن “الفخر العرقي” Racial Pride، والنصوص “المعادية للإسلام” صراحةً التي وجدتها الشرطة على سطح أحد الأسلحة المستخدمة في الاعتداء، فضلا عن ملصقات شعار قوات الحرس النازي SS Sticker التي عُثر عليها في السيارة التي “انتحرا” داخلها عقب تنفيذ الجريمة!!!
المفارقة ليست فقط في عدم توصيف الهجوم كعمل “إرهابي”، بل في الطريقة التي جرى بها “تبريد” الحدث لغويًا وتفريغه من الشحنة العاطفية التي تسم هذا النوع من الأحداث، بعناوين من قبيل: “مقتل خمسة أشخاص، بينهم مشتبه بهما”، أو “مقتل حارس أمن شجاع في إطلاق نار على مركز إسلامي”.
وغاب لفظ “إرهاب” terrorism ومصطلح “إرهابي” terrorist الشهيران من المشهد كليًا!!
هذا النمط من المعالجة الإعلامية ليس حذرًا لغويًا بريئًا. فالكلمات في الإعلام ليست أوعية اتصال محايدة؛ بل أدوات موزونة أو “أسلحة” لتشكيل الوعي العام.
فحين يُستبدل “الإرهاب” بـ”حادث إطلاق نار”، وحين يُقدَّم هجوم مسلّح على دار عبادة تم التخطيط له بعناية باعتباره “جريمة كراهية محتملة”، فإن الرسالة الضمنية تكون: هناك ضحايا يستحقون العناء “الأخلاقي”، وآخرون تتم تغطية أخبارهم من باب “رفع العتب” المهني.
عندما يكون مسرح الجريمة كنيسًا يهوديًا أو كنيسة أو مركزًا تجاريًا، لا تتردد وسائل الإعلام الغربية في الإفراط باستخدام مصطلحات مثل “الإرهاب”، “الهجوم المتطرف”، أو “الاعتداء على المجتمع بأسره”، بل يجري – أحيانًا – ترسيخ صورة الجاني “الإرهابي” في العقلية الجمعية للجمهور حتى قبل اكتمال التحقيقات، خصوصًا إذا كان مسلمًا.
اللافت أكثر من “برود” اللغة ورمادية المعالجة، هو الغياب شبه الكامل للزوايا “الإنسانية” المعتادة في تغطية مثل هذه المآسي.
في واقعة ‘سان دييغو’، لم تُفرد مساحات لقصص الأطفال الذين عاشوا الرعب، ولا لبروفايلات الضحايا، أو لشهادات الجيران والأصدقاء، إلى آخر أمثلة السرد العاطفي الذي يحول الحادثة إلى قضية رأي عام.
فمن بين القصص “العابرة”، رواية الطفل عدي شنة (ابن أسرة مهاجرة من الأردن)، البالغ من العمر تسع سنوات، الذي احتمى مع عشرات الأطفال في غرفة دراسية أثناء إطلاق النار، والذي وصف كيف أنهم سمعوا وابلاً من الرصاص فتكدسوا داخل خزانة صغيرة وهم يرتجفون هلعًا، قبل أن يخرجوا لاحقًا برفقة الشرطة ليشاهدوا “أشخاصًا غارقين في دمائهم على الأرض”. يقول عدي: “كانت ساقاي ترتعشان، ويداي ورأسي يؤلمانني بشدة”.
هذه القصة، في سياق آخر، كانت ستتصدر -مع صور الأطفال- المواقع الإلكترونية وتُنسج من تفاصيلها مانشيتات الصحف وتصبح محور النقاشات في البرامج الحوارية أو التوك شوز.
أما الإعلام الإسرائيلي، فقد مرّ على المأساة مرور “اللئام”، وظهرت ازدواجية المعايير في تعامله مع الخبر أكثر فجاجة.
فبخلاف “ترحيل” الخبر إلى ذيل الترتيب، كان لافتًا أن أغلب المواقع العبرية تناولت القصة بصيغ عاجلة متعجلة، من قبيل: “مسجد تحت الحصار”، أو “مسلحون يقتلون ثلاثة في مركز إسلامي”.
اكتفت صحف رئيسية مثل ‘جيروزاليم بوست’ و’تايمز أوف إسرائيل’ باستخدام توصيفات مباشرة مثل “تقارير عن مسلح نشط” أو “جريمة كراهية محتملة”، متخليةً عن ذلك الزخم “التعبوي” الذي يرافق تغطياتها لحوادث مماثلة، حتى تلك التي لا تتعدّى رمزية “الرسم أو الكتابة بالألوان” Graffiti على جدار كنيس يهودي في أحد أحياء لندن أو نيويورك.
“هندسة المعنى”.
الإعلام يعيد صياغة الواقع للجمهور عبر وسائط اللغة والصورة. وما جرى في تغطية واقعة ‘سان دييغو’، ليس شاهدا فقط على “ازدواجية” التعاطي مع الأحداث بحسب نوعية ضحاياها، بل تكمن خطورته في خبث “التكنيك والاستراتيجية”: اختيار ألفاظ معينة وتجاهل أخري، صياغة العناوين المفرغة من أي شحنة عاطفية، ومعالجة صحفية تتستر بشكليات “الحياد” بدلا من التغطية “الحيوية” بسياقها الاجتماعي-السياسي وبأبعادها الإنسانية.
هذا الانطباع ليس شخصيًا ولا يستند إلى قراءة انفعالية، بل تعززه نتائج أبحاث أكاديمية غربية متخصصة (بلاش العربية درءا لشبهة الانحياز).
فالدراسة التي نشرها “المركز الدولي لمكافحة الإرهاب” ICCT في لاهاي، خلصت إلى أن الصحف الأمريكية والبريطانية تُظهر “انحيازًا ممنهجًا” في توصيف الهجمات “التي يكون منفذوها مسلمون”، وأن هذه الهجمات تحظى بتغطية أطول ولغة أكثر سلبية، بما يرسّخ صورة “العنف الإسلامي” بوصفه تهديدًا استثنائيًا.
كما نقلت إذاعة NPR الأمريكية عن الباحثة Erin Kearns قولها إن “الجاني غير المسلم يحتاج، في المتوسط، إلى قتل سبعة أشخاص إضافيين حتى يحصل على القدر نفسه من التغطية الإعلامية التي يحظى بها الجاني المسلم”.
أما دراسة “اختبار النبرة في المقالات المتعلقة بالمسلمين” Tone-Checking Articles About Muslims الصادرة عن “مركز سياسات الهجرة”، فذهبت أبعد من ذلك حين أكدت أن الموضوعات المتعلقة بالمسلمين والإسلام تميل إلى السلبية بدرجة أعلى من أي مجموعة أخرى، وأن هذا النمط يعكس “إسلاموفوبيا منهجية” أكثر مما يعكس مجرد صدفة تحريرية.
واقعة مسجد ‘سان دييغو’ كانت أشبه باختبار “أخلاقي”، رسب فيه إعلام يتشدّق بالموضوعية التحريرية والاحترافية المهنية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى