كتاب وشعراء

القتلى يسيرون في دائرة…بقلم طاهر عرابي

رحى الحرب تدور منذ زمن بعيد،
هذا جريح، وذاك قتيل، وآخر شريد،
والكذب يعلو المنابر:
تقدّمنا، تصدّينا، أنزلنا، وأوقعنا…

وكلُّ مهزومٍ منتصر،
ولم نعد نعرف: من الصادق؟ من الكاذب؟
وهل يهمّ الصدق والكذب في حرب؟

تبدأ همجية اللغة،
ويفور زبد الأرواح على المصاطب.

وفجأة يصير الغازي حمامة،
مزيّنًا بالنوايا والوصايا،
وله تبريرات مصقولة،
والمُدافع عن نفسه… متطرّف،
كان منسيًا تحت حجر.

وتعود الحرب كما كانت:
حربًا تُعيد الزمان الغابر،
والمشهد يتكرّر…
مقتول وقاتل،
وأم تحمل طفلًا،
وخيام تُنصب،
ومستقبل يتلوّى في المحافل.

يتبرّعون بالطحين وحبّات العدس
لمن أفقروا وسلبوا بيته وأرضه،
واتّهموه خارج الظل،
والأقواس لا تحنيه، ولا يتكسّر،
ثم يقولون:
عواطف إنسانية تدخل المعابر!

لماذا هذا المصاب؟
وفي كل حرب نقول: ستكون الأخيرة،
ثم ننسى… قبل أن يلتئم الجرح، ننسى.

تحفة المجرمين في ساحات الدمار،
كأنني لون في لوحة أزلية من الدم،
رسمني العظماء وأنا أسيل على بلاط الزعماء.

كان دالي الذي اخترع ساعة تسيل،
ولم يرَ وجهي المسكوب في الزمن.
رسمنا، وانتهى الحبر الأصفر،
وفّرت الألوان، وبقي السؤال.

أوقفوا الحرب اليوم،
وحرّموا القتل إلى الأبد،
إن كنتم بشرًا،
إن كانت غاياتكم مدّ يد لكل يد.

كذّابون، ملعونون،
خائنون للقيم،
يغمضون عينًا لتسعد الأخرى،
يبدّلون الوجوه والذمم،
وتضيع الكرامة بين الفكين،
والكل أعمى… يعبث في حبّ العدم.

أنا لم أعد أحلم،
لا بحرية بين المنابر،
ولا بسلام في مصانع صواريخ الغدر،
ولا بموعد مع من وعد،
ولا بغصن زيتون في منقار حمامة رسموها على الورق،
ولا باجتماع الأمم على مفترق الطرق.

الكل كذّاب،
يتباهى برايات المحبّة،
ومعه صواريخ تمزّق الأمانة،
ولا يخجل من وجهه في المرآة،
حتى ولو بدت ملامحه مشوّهة.

تكبر دولة، وتُمحى أخرى،
تتغيّر لغة… ويموت الماضي ويبقى بريق الصور،
وتعود الملحمة تصارع الفروع والجذور،
وتكسب جيلًا يراها قدر.

أحلام الشياطين في أفواه بشر،
يتقلّبون كالمحار في عتمته،
وهم من حلموا، وماتوا، ولم ينتصروا لأسطورة.
بقيت عظام المحار في الرمل،
ودُفن عبث الإرادة في فهم الزمن.

طحين الخبز ملاذ البسطاء حين يشتدّ القلق،
وكأنه هوية النهاية.
أكلناه بصبر ما بعد الصبر،
لنرى وجوهكم العارية،
وندرك أننا غرباء،
قد غرّبنا الغادر بدفّة واحدة نحو البحر.

لوحات خيالكم جميلة،
حبّات تفاح على الطاولة،
والزمن يسيل على الكراسي المهجورة.
ولوحات الواقع: قلم مكسور، دفتر معلّق على سارية بلا صفحات،
وشعارات ترفرف في قلب زوبعة مكسورة.

وكأنكم تبحرون في الضباب،
من صنع الضباب بلون الرماد؟
واللون الأحمر لم يجف بعد،
دمنا هنا على مفترق الغايات،
إنه يصرخ تحت أصابعكم: كفى!

لن يسألنا التاريخ: من انتصر؟
بل: كم إنسانًا بقي فينا بعد كل حرب؟
وما جدوى النجاة
إذا كان قتلتُنا يدورون في الدائرة،
والخجلُ في وجوهنا
صار أرضًا عطشى لا يبلّلها الندم.
دريسدن – كُتبت في 20.12.2023 | نُقّحت في 09.06.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى