
شهدت مؤخرًا مقطعًا لمشاجرة وقعت على متن طائرة بين شاب وفتاة. بدأت القصة بسبب انزعاج الفتاة من مشاهدة الشاب لمقاطع فيديو على هاتفه، ثم تطور الأمر إلى تلاسن ومشادة كلامية. وكما هو متوقع، سارع طاقم الضيافة إلى التدخل ومحاولة احتواء الموقف وتهدئة الطرفين.
لكن ما شد انتباهي لم يكن الخلاف نفسه، بل تصرف إحدى الراكبات التي قررت أن تكون جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل. فبدل أن تدعو إلى الهدوء أو تترك الأمر للمسؤولين عن معالجة الموقف، راحت تشجع الفتاة على التصعيد بعبارات مثل: “اشتكي عليه”، “ربيه”، “سبي عليه”، “امسحي فيه الأرض”.
عندها تذكرت قول النبي ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.”
كم نحتاج إلى استحضار هذا المبدأ في حياتنا اليومية. فليس كل موقف يستدعي تدخلنا، وإذا تدخلنا فالأصل أن يكون تدخلنا للإصلاح لا للإفساد، وللتهدئة لا للتحريض، ولجمع القلوب لا لزيادة الخصومة.
الخلاف بين الناس أمر طبيعي، فالناس تختلف في طباعها وآرائها وتصرفاتها. لكن الأخلاق الحقيقية تظهر عند من يقف على الهامش ويراقب الموقف. هل يختار أن يكون صوت الحكمة والعقل؟ أم يختار أن يؤجج المشاعر ويزيد التوتر؟
للأسف، أصبح بعض الناس يتعاملون مع الخلافات وكأنها مادة للتشجيع والإثارة، فيدفعون الأطراف نحو مزيد من التصعيد، غير مدركين أن كلمة واحدة قد تشعل أزمة أكبر، وأن كلمة طيبة قد تنهي المشكلة من أساسها.
مجتمعاتنا لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، ولا إلى مزيد من المحرضين. نحن بحاجة إلى ثقافة الإصلاح، وإلى أشخاص يدركون أن قوة الإنسان لا تكمن في قدرته على الإساءة، بل في قدرته على ضبط نفسه وإطفاء نار الفتنة.
في النهاية، قد نختلف في المواقف، وقد نغضب أحيانًا، لكن يبقى المعيار الأخلاقي واحدًا: إذا لم يكن لدينا ما يساهم في الحل، فالصمت أكرم، وإن كان لدينا ما نقوله، فليكن خيرًا.
قل خيرًا أو اصمت… فالكلمة مسؤولية، وقد تكون سببًا في إصلاح موقف أو إفساده.