
أخفَتْ نظارتي الشَّمسيَّة دموعي.. وأنا مُتوجِّه إلى المصنع في الصباح. لا أحبُّ أن تفضحني عيناي بدموع الحزن أو الفرح. عيناي رهيفتا الحس.. أظنُّ أنَّ لهما قلباً من ألماس.. إلَّا أنَّ ثباتي الانفعالي مازال بخير.. فقد بتُّ مطمئناً له بدرجة كبيرة. خبرته في أيام حالكة الظلام حلَّت على قريتي منذ عقد من الزمن.. ولازالت تترى. الأمطار صارت شحيحة؛ وحين تهطل تكون شديدة الحمضيَّة. أعواد الذرة صارت قصيرة القامة.. كيزانها خلت من حبَّاتها. وسنابل القمح لم تعد لها بريق الذهب تحت أشعة الشمس. أشجار النخيل صارت غارقة في أحزانها.. تأخذ أشكال الأهلَّة أو الأقواس. الأنعام صارت نادرة الوجود في قريتنا. ابن العم فادي قيسون لم يعد يحكي لي عن مزرعته الكبيرة وتجارته الضخمة بالأبقار والجاموس.. حكى لي مذ يومين عن نفوق عنزتين، وخاروفين، وحمار، وجمل. وقد فزع من موت الجمل خاصَّة، إذ كان يراهن على تحمُّله الجوع والعطش لفترة طويلة. شباب القرية راهنوا بحياتهم على ركوب البحر.. وقد وجدوا الترحيب والتشجيع من ذويهم.. دعموهم بالمال، وألقوا بهم في قوارب مُتهالكة تتَّجه نحو الشمال، وهم يعلمون أنَّهم يخاطرون بحياتهم. الفتيات صرن يفقدن الأمل في الزواج يوماً بعد يوم.. ووجدت الجلابيب وأوشحة الرأس السوداء مكاناً لها في سوق القرية.
أغاني الأفراح غابت عن آذان قريتي، وزقزقة العصافير، وهديل الحمام، وسجع اليمام. هزَّتني المرأة التي وقفت أمام مخبز.. ووضعت يدها على رغيف خبز واحد.. ومضت.. وكأنَّما صار هذا عهدها بالمخبز.. وصاحبه الذي منحها الأمان كلَّ صباح.. مسحت عينَيَّ من تحت النظارة.. واستأنفتُ المسير.
بقلم: عماد أبو زيد