كتاب وشعراء

حين نُدرِك… اللوحات العشر في مِرآة الوعي…بقلم د.عاطف حماد

١.حين ندرك ذواتنا
حين نُدرك ذواتنا، لا نجدها في الوجود الماديّ فحسب، بل في وَجْدِناالذي يفيض عشقاً للحق. ندرك أننا لسنا مجرد أشخاص شخَصتْ أبصارهم نحو الأفق، بل شخوصٌ في رواية الكون، كلما توارَتْ ملامحنا الطينية، تراءتْ حقيقتنا النورانية.
٢. حين نعيد قراءة أنفسنا
حين نعيد قراءة أنفسنا، نكتشف أننا كُتِبنا بـ ـمِداد العمر، لكننا نحتاج إلى مَداٍد من السماء لنفهم السطور. نُعيد النظر في الفصول التي مرّت؛ فلم تكن مجرد أوقاتٍ منسية، بل كانت فصولاً في محكمة النضج، عُزلنا فيها عن العالم لنـعزل الحق عن الباطل في دواخلنا.
٣. حين نؤمن بأننا لم نُخلق عبثاً
حين نؤمن بهذا، نوقن أن خلف كل قدرٍ نغلي فيه ألماً، قَدْراً عظيماً يُصنع لنا عند رب العرش. لسنا هباءً يذروه الريح، بل نحن بَهاءٌ يملأ الفضاء؛ لم نُخلق لـلَّعِب، بل للَعْبِ أدوارنا المقدرة في عمارة الأرض وبناء الإنسان.
٤. حين ندرك أن تميزنا في تنوعنا
حين ندرك هذا التنوع، نعلم أن الخلاف في ألواننا ومشاربنا ليس خِلافاًيُمزقنا، بل هو سرّالائتلاف نحن كـلأوتار في قيثارة الوجود؛ تختلف نغماتها لــتتّفق في معزوفة واحدة، فــالتباين بيننا هو ذاته البيان الذي يظهر عظمة الخالق.
٥. حينما ندرك قيمة الوقت
حينها نعلم أن العصرليس مجرد شفقٍ يغيب، بل هو عَصْرٌ لمهجنا لتقطر حكمة. الدقائق ليست ثوانيَ تمرّ ركضاً، بل هي ثوانٍ (بمعنى مثانٍ) تُعاد فيها صياغة الفرص، فمن لم يغتنم الأوان فاته الأوان وصار في خبر كان.
٦. حينما ندرك معنى الصبر
نكتشف أن الصَّبِر ليس مرارة نتجرعها مجبرين، بل هو صُبْرٌ (أعالي الجبال) نلجأ إليه لنشرف على الفرج. الصبر هو الحَبْس النبيل للنفس، لئلا تتشتت في أودية الحيرة، وهو الرَّبط على القلوب حتى يأتي الرَّبْطُ الإلهي بالبشرى.
٧. حينما ندرك كنه المشاعر
حين ندركها، لا نخلط بين الهَوى الذي يسقط بالمرء إلى الهاوية، وبين الهَواءالذي تتنفسه الروح نقياً. المشاعر هي السيال الذي يربطنا بالكون، إن لم نـسِلْ بها رحمةً لمن حولنا، تحولت إلى سَيْلٍ جارف يُهلك المحرث والنسل.
٨. حينما ندرك حقيقة الفقد
حينها نرى أن الخسارة في الظاهر قد تكون هي الْخِيار الأفضل في الباطن. ما فقدناه لم يكن إلا حملاً زائداً وجب فَقْدُه لترتفع سفينتنا فوق الأمواج، فـالعوض ليس دائماً بديلاً من جنس ما مضى، بل قد يكون عِوَضاًفي البصيرة والسكينة.
٩. حينما ندرك سرّ السكينة
السكينة ليست سكوناً(موت الحراك)، بل هي سَكَنٌ تأوي إليه الروح وسط العاصفة. هي أن تكون في جلبة العالم، وداخل قلبك حَرَمٌ آمن لا تصله الضوضاء، حيث تتــنزل الطمأنينة كـالنَّزْلِ الكريم الممتد من السماء.
١٠. حينما ندرك غاية الوجود
حين ندرك غايتنا، تسقط الأقنعةوتتضح المعاني. ندرك أننا في دار ممر لا دار مقر، وأن كل أثرٍ نتركه خلفنا هو الأثَرُ (الحديث والذكرى) الذي سيشهد لنا أو علينا يوم تـبلى السرائر وتـبلى الأجساد.
عِندها فقط… (فيوضات التجلي العشرة)
١. عندها فقط.. يصحو العقل من عِقاله
حين تتحقق تلك الإدراكات، يفكّ العقل عِقاله (قيده) ليعمل عَقْلُه وفهمه في آيات الوجود، فلا يعود أسيراً لظواهر الأمور، بل ينفذ إلى بواطنها.
٢. عندها فقط.. يستقيم الوزن
تستقيم موازيننا، فلا نـزِن الناس بموازين الأرض الـزَّنة (الناقصة)، بوَزْن التقوى والجوهر، فيصبح الثقيل ثقيلاً بأدبه، والخفيف خفيفاً بطيشه.
٣. عندها فقط.. تصفو العين
تصفو العين (الباصرة) فلا تعود ترى إلا الجمال، وتتدفق العين (ينبوع الماء) من مآقينا دمعاً من خشية وطمأنينة، ونصبح عيناً لحراسة الفضيلة في مجتمعاتنا.
٤. عندها فقط.. ندرك أن “العَين” هي “الذات”
ندرك باللغة والقلب معاً أن عَيْن الشيء هي ذاته وأننا طالما لم نُبصر بقلوبنا، كنا غائبين عن أعياننا وذواتنا.
٥. عندها فقط.. يثمر “الْهَمّ” ليصبح “هِمَّة”
يتلاشى الهَمّ الذي يورث الحزن والغم، ليتحول بفعل الوعي إلى هِمَّةٍ تناطح السحاب، فــالمقصدالشريف يُحيل ثقل الصدر إلى قوة دفع للأمام.
٦. عندها فقط.. نرى “الآية” في كل “آية”
نرى الآية (العلامة والمعجزة) في تفاصيل حياتنا اليومية، تماماً كما نتلو الآية (القرآنية) مسطوراً في كتاب الله؛ فيتطابق الكتاب المنظور مع الكتاب المسطور.
٧. عندها فقط.. تنطق “الضّاد” بـ “الضّياء”
تتحول لغتنا وفهمنا من مجرد حروف ضادٍجامدة، إلى ضياءٍ يشرق في العقول، فتصبح الكلمة تبصرة للمستبصرين، ودواءً للمكلومين.
٨. عندها فقط.. يتحول “المَغرب” إلى “مُغْرب”
فلا نرى في المغرب (وقت الغروب والنهاية) أفولاً وضياعاً، بل نراه أمراً مُغْرِباً (عجيباً وجميلاً) يُمهد لولادة فجر جديد وأمل متجدد.
٩. عندها فقط.. نُعتق من “الرِّق” بـ “الرِّق”
نُعتق من الرِّق (العبودية للمخلوقين وللشهوات)، عندما نسطر بـالرَّقّ(الجلد المنشور للكتابة) عهد الولاء والعبودية الخالصة لله وحده.
١٠. عندها فقط.. ندرك أننا “عدنا” لنبدأ
عندها فقط، نصل إلى نهاية الرحلة لنكتشف أنها البداية؛ فقد عُدنا إلى فطرتنا، وعِدناأنفسنا بالثبات، فصار العَوْدُ أحمد، والوصول إلى الذات هو أسمى غايات الوجود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى