
علـى حيـن غِـرّة، وجـدتُ نفسـي مستلقيًا علۑ ناصيـة الوجـع، أمـتـدّ من أخمـص الغياب حتۑ فروة الحـلـم، أراود الأمـس وأحقنـه بإسبـريـن النسـيـان،
أمتطتي صهـوة بيـت سَقط من كِنانـة الصبـر سهوًا، فأنسانيـه الوجـع رأفـةً بالحلـم المتشظۑ علۑ خاصـرة الأيام،
أركـلُ بعضًا مـن ملامحي الۑ صومعـة قصيدة،
أركن أحزاني بهـدوو۽ في درج النسيان،
ما بين أركل وأركن حرفان ظاهرهما الرحمة ومن قِبلهما الوجع،
يتعانقان فأرفـل في جلباب الأبجديـة ويرسما طريقهما في مضارع الأيام لينصِبا ويسرِقان أحلامي علۑ مرأۑ القصيـدة،
لـن نكـون خيطا من دخان
ولـن
أعيش
فـي
جلباب
الغياب .
ــــــــــ
قراءة في نص( لن أعيش طويلا ) للكاتب والأديب رأفت المحيا
بقلم: حميد بركي
يتحدث بضمير المتكلم عن حالة نفسية يغلب عليها الألم والغياب والنسيان، وهو يصوّر نفسه في حالة فقدان واستلقاء على “ناصية الوجع”، محاولًا الهروب من الألم عبر النسيان (حتى باستخدام رمز “الأسبرين”) والاستبرين آلة من آليات التشوير، تظهر صور الانكسار مثل “بيتٍ سقط من كنانة الصبر”، ثم محاولة تشتت الأحزان وركنها في “درج النسيان”، مع تأكيد نهائي على الاستحالة: لن يكونا “خيطًا من دخان”، أي لن يلتقيا أو يثبتا.
أما من جهة الإعراب العام، فالنص يتميز بـ:
كثرة الأفعال المضارعة (أعيش، أمتد، أراود، أركل، أركن، نكون) للدلالة على الاستمرار والحركة النفسية.
استخدام “لن” للنفي والاستقبال في موضعين لتأكيد نفي تحقق الفعل مستقبلاً.
اعتماد واسع على الجار والمجرور (في، على، من، إلى) لبناء صور مكانية/معنوية،
كثرة الإضافة (مثل: جلباب الغياب، ناصية الوجع، درج النسيان) لإنتاج تراكيب شعرية مكثفة،
حضور الحال (مستلقيًا) والمفعول به المتعدد لتكثيف الصورة الشعورية، وهو بناء ٍ بلاغيٍّ حديثٍ يستمدّ روحه من التراث البلاغي العربي في “التصوير” و“الانزياح” و“النظم”، حيث تتحول اللغة من وظيفة الإخبار إلى وظيفة الإيحاء والتشكيل، حيث تتأسس الصورة الافتتاحية “لن أعيش في جلباب الغياب” على استعارة ممتدة تجعل من الغياب ثوبًا يُلبس ويُخلع، وفي ذلك تحويلٌ للمجرّد إلى محسوس، وهو ما ينسجم مع أصل التصوير البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني حين قرر أن “الاستعارة إذا وقعت كان لها من الأثر ما ليس للكلام إذا كان على الحقيقة”، إذ القيمة في طريقة النظم التي تُكسب المعنى حياةً جديدة.
ثم يتوالى بناء المشهد الشعوري عبر تراكيب مكانية: ناصية الوجع، أخمص الغياب، فروة الحلم، وهي تراكيب تُجسّد المعاني وتمنحها امتدادًا جسديًا، وهو قريب مما أشار إليه الجاحظ حين قال في تصوير المعنى: “المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي”، وإنما “الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ”، أي في كيفية تشكيل المعنى لا في وجوده المجرد.
وفي قوله: “أحقنه بإسبريـن النسيان” نلحظ استعارة مركّبة تمزج بين الحقل الطبي والذاكرة، حيث يتحول الزمن إلى جسد مريض، وهذه من أقوى صور الانزياح الدلالي. وقد أشار ابن الأثير إلى هذا النوع من البلاغة حين جعل عماد البلاغة “إخراج المعنى في أحسن صورة من اللفظ”، وهو ما يتحقق هنا عبر مزج الحقول الدلالية وإحداث مفارقة بين “الأمس” و“العلاج”.
أما تراكيب مثل “بيت سقط من كنانة الصبر” فهي من باب الاستعارة التمثيلية التي ترتفع بالمعنى من الجزئي إلى الكلي، حيث يصبح الصبر كيانًا يحمل البيوت ثم يسقطها. وهذا يوافق ما ذكره السكاكي في “مفتاح العلوم” من أن الاستعارة التمثيلية “أبلغ في النفس وأوقع في الوهم، لأنها ليست لفظًا مفردًا بل صورة كاملة”.
وفي المقطع التأملي “ما بين أركل وأركن حرفان ظاهرهما الرحمة ومن قِبلهما الوجع” يتجلى الوعي البلاغي الذاتي داخل النص، وهو ما يسميه البلاغيون “التفات المعنى إلى نفسه”، حيث لا يكتفي النص بالتصوير بل يُحلّل مادته اللغوية. وهذا قريب من فكرة عبد القاهر الجرجاني حين قال إن “النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض”، فالمعنى يقوم على العلاقات بينها، كما تأتي اةلجملة الختامية “لن نكون خيطًا من دخان” بوصفها استعارة نفيية تؤكد مقاومة الفناء، حيث يتحول الوجود إلى صورة مادية للدخان الذي يُنفى عنه الانعدام الكامل. وهذا يتصل بما أشار إليه البلاغيون في باب الكناية من أن “الكناية أبلغ من التصريح لأنها تُثبت المعنى بدليل لا مباشرة”
وبذلك يمكن القول إن النص يقوم على بلاغة الانزياح والتشخيص والتكثيف، ويعيد إنتاج روح البلاغة القديمة ولكن داخل تجربة شعورية حديثة، حيث تصبح اللغة نفسها مجالًا للصراع بين الوجع والغياب والحلم، لا مجرد وسيلة للتعبير عنه.
حميد بركي
المغرب