كتاب وشعراء

إصغاء لصوت الأبدية ••• زكريا شيخ أحمد / سوريا

تجلسُ على مقعدكَ البلاستيكيِّ الداكن

بينما هواءُ الصباحِ العابر

يكشطُ وجهَ الرصيف

صوتُ ريحٍ خفيفةٍ تمشطُ الفراغَ و ترحل ،

كأنَّها نَفسُ الوجودِ المذعورِ من الفَناء

يمرُّ على جسدِ المكان و لا يستقر .

في هذا الفضاءِ الصاخبِ بالصَّمت،

تنبثقُ جدليةُ الخلودِ المُرّة؛

هذا الكوبُ الخَزفيُّ الأبيضُ الثقيل

و تلك الزجاجةُ الشاهقةُ القابعةُ في ركنِ الطاولة،

سيبقيانِ هنا .. شاهدينِ على عبورِ الصباحات،

بينما يدُكَ التي تحملُ القهوةَ ستغيب،

فأيُّ غُبْنٍ كونيٍّ هذا..

أنْ تعيشَ الأشياءُ الهامشيةُ و يفنى المتأمِّل؟

تسمعُ جلبةً بعيدةً لخطواتِ المارّة

و احتكاكِ العجلاتِ على الأسفلتِ الرماديّ،

أصواتٌ عابرةٌ تولدُ و تموتُ في اللحظةِ نفسِها،

تماماً كأبخرةِ القهوةِ التي تصاعدتْ ثمّ غابت،

كلُّ حركةٍ في المكانِ هي هُتافٌ ضدَّ الزوال،

و كلُّ سكونٍ هو رضوخٌ لحتميّةِ المجهول.

من ملمسِ الورقِ الممزقِ على الطاولة،

إلى همسِ الرياحِ التي تعبرُ المقهى الضيّق،

ندركُ أنَّ الفناءَ ليس غياباً للمادّة،

و إنَّما هو تحوّلها المستمرُّ في فلكِ الأيام،

و أنَّ خلودَنا الحقيقيَّ لا يكمنُ في البقاء

و إنَّما في هذه الدَّهشةِ العميقة

التي تربطُ جمودَ المكانِ.. بأبديّةِ الفكرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى