
تجلسُ على مقعدكَ البلاستيكيِّ الداكن
بينما هواءُ الصباحِ العابر
يكشطُ وجهَ الرصيف
صوتُ ريحٍ خفيفةٍ تمشطُ الفراغَ و ترحل ،
كأنَّها نَفسُ الوجودِ المذعورِ من الفَناء
يمرُّ على جسدِ المكان و لا يستقر .
في هذا الفضاءِ الصاخبِ بالصَّمت،
تنبثقُ جدليةُ الخلودِ المُرّة؛
هذا الكوبُ الخَزفيُّ الأبيضُ الثقيل
و تلك الزجاجةُ الشاهقةُ القابعةُ في ركنِ الطاولة،
سيبقيانِ هنا .. شاهدينِ على عبورِ الصباحات،
بينما يدُكَ التي تحملُ القهوةَ ستغيب،
فأيُّ غُبْنٍ كونيٍّ هذا..
أنْ تعيشَ الأشياءُ الهامشيةُ و يفنى المتأمِّل؟
تسمعُ جلبةً بعيدةً لخطواتِ المارّة
و احتكاكِ العجلاتِ على الأسفلتِ الرماديّ،
أصواتٌ عابرةٌ تولدُ و تموتُ في اللحظةِ نفسِها،
تماماً كأبخرةِ القهوةِ التي تصاعدتْ ثمّ غابت،
كلُّ حركةٍ في المكانِ هي هُتافٌ ضدَّ الزوال،
و كلُّ سكونٍ هو رضوخٌ لحتميّةِ المجهول.
من ملمسِ الورقِ الممزقِ على الطاولة،
إلى همسِ الرياحِ التي تعبرُ المقهى الضيّق،
ندركُ أنَّ الفناءَ ليس غياباً للمادّة،
و إنَّما هو تحوّلها المستمرُّ في فلكِ الأيام،
و أنَّ خلودَنا الحقيقيَّ لا يكمنُ في البقاء
و إنَّما في هذه الدَّهشةِ العميقة
التي تربطُ جمودَ المكانِ.. بأبديّةِ الفكرة.