رؤي ومقالات

د. أيمن خالد يكتب :إيران: هل غيّرت أمريكا النظام أم غيّرت مركز القرار؟

لم يعد السؤال الحقيقي في إيران: هل سقط النظام أم بقي؟
السؤال الأكثر دقة هو: هل نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط النظام الإيراني، أم في إسقاط مركز القرار القديم داخله وإعادة توزيع القوة على مراكز جديدة؟
فالحرب لم تستهدف المنشآت النووية والصاروخية فقط، بل أصابت بنية القيادة العليا أيضًا. وبعد مقتل علي خامنئي وكبار الشخصيات المرتبطة بمركز القرار السابق، دخلت إيران مرحلة مختلفة، ثم ظهر مجتبى خامنئي في موقع المرشد الجديد، بالتزامن مع صراع واضح حول اتجاه الدولة وعلاقتها بالولايات المتحدة.
وهنا يجب التمييز بين إسقاط الدولة وتغيير مركز القرار داخل الدولة.
ترامب وتغيير النظام
استخدم ترامب بوضوح خطاب «تغيير النظام»، لكن من الخطأ فهمه بالمعنى التقليدي: دبابات تدخل طهران، وحكومة تسقط، وسلطة جديدة تظهر.
التغيير الأكثر ذكاءً يمكن أن يكون مختلفًا: أن تبقى مؤسسات الدولة والبرلمان والحكومة والجيش، لكن يصبح مركز القرار الذي كان يحدد السياسة الخارجية والأمنية والعسكرية غير قادر على العودة إلى ما كان عليه.
عندها لا تكون قد أسقطت الدولة، بل غيّرت الدولة من داخلها.
وهنا تصبح عبارة ترامب عن تغيير النظام أكثر قابلية للقراءة الاستراتيجية.
خامنئي كان مركز التوازن
لم يكن علي خامنئي مجرد مرشد ديني؛ بل كان مركز التوازن بين الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، والسياسة الخارجية، والبرنامج النووي وشبكة النفوذ الإقليمي.
لذلك فإن ضرب رأس الهرم لا يترك فراغًا بروتوكوليًا، وإنما يفتح السؤال الأخطر:
من يملك القرار بعد غياب الشخص الذي كان يجمع كل الخيوط؟
وهنا ظهرت إيران الجديدة.
مجتبى خامنئي يمثل محاولة للحفاظ على استمرارية مركز المرشد، لكن استمرار الاسم لا يعني بالضرورة استمرار القدرة السابقة.
وفي الجهة الأخرى ظهر بزشكيان وقاليباف وعراقجي ككتلة سياسية ودبلوماسية تتحرك باتجاه مختلف نسبيًا.
وقد قال عراقجي إن اختيار محمد باقر قاليباف للمشاركة في التفاوض مع الولايات المتحدة جاء باقتراح من الرئيس بزشكيان، وإن بزشكيان أصر على أن يقود قاليباف الوفد التفاوضي.
وهذا يعني أننا أمام رئيس يدفع برئيس البرلمان إلى واجهة التفاوض، ووزير خارجية يدير القناة الدبلوماسية، في مواجهة جناح عسكري وأمني أكثر تشددًا.
هل الثلاثي «حكومة أمريكية»؟
هنا يجب أن نكون شجعانًا ولكن دقيقين.
من السهل القول إن بزشكيان وقاليباف وعراقجي انقلابيون، لكن ذلك يحتاج إلى دليل. ومن السهل أيضًا القول إن أمريكا تملي عليهم تصريحاتهم، ولا توجد أدلة علنية كافية لإثبات ذلك.
لكن هناك صيغة أكثر قوة:
ربما لم تعد واشنطن بحاجة إلى إملاء ما يقولون؛ لأنها غيّرت البيئة التي يتخذون قراراتهم داخلها.
فالسيطرة السياسية لا تعني دائمًا إعطاء الأوامر. أحيانًا يكفي أن تفرض معادلة جديدة تجعل الطرف الآخر يتخذ، من تلقاء نفسه، قرارات تتوافق مع مصالحك.
ومع اتساع كلفة الحرب، والضغط الاقتصادي، واستنزاف القدرات العسكرية، وضرب القيادة العليا، تضيق مساحة الخيارات أمام القيادة الإيرانية.
وهكذا قد يتخذ مسؤول إيراني قرارًا ينسجم مع المصلحة الأمريكية من دون أن يكون عميلًا أمريكيًا.
لماذا بزشكيان وقاليباف وعراقجي؟
لأن كل واحد منهم يمتلك ما لا يمتلكه الآخر.
بزشكيان يمتلك الشرعية التنفيذية التي تسمح بمنح أي اتفاق غطاء الدولة والحكومة.
قاليباف يمتلك الشرعية البرلمانية، وخلفية أمنية وعسكرية وسياسية تجعله قادرًا على مخاطبة المؤسسة المحافظة بلغة تستطيع تحملها.
وعراقجي يمتلك اللغة الدبلوماسية التي تستطيع تحويل التراجع من «استسلام» إلى «تسوية»، ومن «تنازل» إلى «مصلحة وطنية».
ولهذا يمكن النظر إلى الثلاثي باعتباره مثلث إدارة التسوية الإيرانية؛ ليس بالضرورة مثلث انقلاب، ولا بالضرورة أداة أمريكية، بل مجموعة شخصيات أصبحت بحكم المرحلة الأكثر قدرة على نقل إيران من الحرب إلى التفاوض.
المعركة الحقيقية: الحرس الثوري
إيران ليست دولة يقرر رئيسها وحده. هناك المرشد، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والمؤسسة الدينية، ومراكز اقتصادية وشبكات مصالح تشكلت حول مفهوم «المقاومة».
ولهذا ظهرت مؤشرات على صراع بين تيار يدفع نحو التفاهم مع واشنطن، وآخر أكثر تشددًا يرفض تقديم تنازلات كبيرة. ⁠
بل تعرض بزشكيان وعراقجي وقاليباف لاتهامات من المتشددين بمحاولة تنفيذ ما وصفوه بـ«انقلاب ناعم».
وقد يكون الاتهام نفسه مهمًا، حتى لو لم يكن صحيحًا، لأنه يكشف أن جناحًا داخل النظام يرى في المسار الجديد تهديدًا لبنية السلطة.
هل تريد واشنطن إسقاط الحرس أم تطويعه؟
إذا أرادت الولايات المتحدة إسقاط الدولة الإيرانية بالكامل، فإن الحرس الثوري سيكون هدفًا لا بد من تدميره.
أما إذا كانت تريد إيرانًا جديدة ولكن مستقرة، فقد يكون الهدف إضعاف الحرس، وتقليص نفوذه الإقليمي، وإجباره على العودة إلى الداخل، وتقييد برنامجه الصاروخي والنووي، ثم ترك الدولة تعمل.
وهذا أكثر واقعية من احتلال إيران.
فواشنطن تعرف أن إسقاط الدولة الإيرانية وتفكيكها قد ينتج كارثة أكبر من النظام الذي تريد تغييره.
لذلك قد تكون إعادة تشكيل النظام من الداخل أكثر عقلانية من إسقاط الدولة من الخارج.
لماذا تتحرك الدبلوماسية؟
بغداد ومسقط وإسلام آباد ليست مجرد عواصم وسيطة.
إنها ساحات لإعادة فتح المجال الإيراني نحو الخارج.
فإذا كان عراقجي يدير هذه القنوات، وقاليباف يدخل على خط التفاوض، وبزشكيان يمنح المسار غطاءه السياسي، فنحن أمام محاولة لإعادة إنتاج السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب.
وهذا لا يعني أنهم ينفذون أجندة أمريكية، لكنه يعني أن الولايات المتحدة أصبحت طرفًا لا تستطيع إيران صياغة سياستها الخارجية من دونه.
وهذا تحول استراتيجي هائل.
المفارقة الكبرى
قد يكون أعظم نجاح أمريكي في الحرب ليس تدمير الصواريخ أو المنشآت النووية أو قتل كبار القادة، بل الوصول إلى لحظة يصبح فيها بزشكيان وقاليباف وعراقجي أكثر أهمية في إدارة المرحلة من بعض الشخصيات التي كانت قبل الحرب صاحبة القرار في طهران.
إذا تحقق ذلك، فإن واشنطن لم تغيّر الحكومة بالمعنى التقليدي، بل غيّرت تركيبة من يستطيع اتخاذ القرار الإيراني.
وهذا هو «تغيير النظام» في نسخته الأكثر نعومة وخطورة.
هل انتصرت واشنطن؟
ليس بعد.
فالحرب لم تُحسم نهائيًا، والهدنة لم تنتج اتفاقًا مستقرًا، فيما بقيت إيران قادرة على استخدام أوراقها العسكرية والإقليمية.
لذلك سيكون من المبالغة القول إن أمريكا «سيطرت على إيران».
لكن يمكن القول إن إيران التي كانت قبل الحرب لم تعد موجودة بالشكل نفسه.
لقد تغيرت موازين القوة، والقيادة، والعلاقة بين المدني والعسكري، ووظيفة الدبلوماسية، وكلفة رفض التفاوض.
وهذه كلها عناصر تغيير نظام، حتى لو بقي اسم الجمهورية الإسلامية قائمًا.
السيناريوهات الثلاثة
الأول: تسوية أمريكية–إيرانية.
ينجح بزشكيان وقاليباف وعراقجي في فرض مسار تفاوضي، ويحصلون في المقابل على تخفيف اقتصادي وسياسي، وتدخل إيران مرحلة أكثر براغماتية.
الثاني: تعطيل الحرس لمسار التسوية.
ليس بالضرورة انقلابًا عسكريًا معلنًا، بل ضغط سياسي وأمني، أو إعادة فرض خطاب الحرب، أو استخدام مؤسسات القوة لإفشال الاتفاق.
الثالث: التعايش القسري بين مراكز القوة.
مرشد جديد، ورئيس جمهورية، وبرلمان، وحرس ثوري، ودبلوماسية تفاوضية؛ كل طرف يمسك بجزء من الدولة.
وهذا ربما يكون السيناريو الأخطر، لأنه يجعل إيران تعيش صراعًا داخل النظام بدل الصراع على النظام.
الخلاصة
ليس السؤال الصحيح:
هل بزشكيان وقاليباف وعراقجي عملاء لأمريكا؟
هذا سؤال استخباري يحتاج إلى أدلة.
السؤال السياسي والاستراتيجي هو:
هل أصبحت هذه الشخصيات جزءًا من عملية إعادة تشكيل مركز القرار الإيراني التي أطلقتها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية؟
والجواب الأقرب، وفق المعطيات المتاحة، هو أن الحرب أعادت توزيع القوة داخل إيران، وأن الثلاثي بزشكيان–قاليباف–عراقجي أصبح في قلب محاولة نقل إيران من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض والتسوية.
لكنهم لم يحسموا المعركة، والولايات المتحدة لم تحسمها أيضًا.
المعركة الحقيقية بدأت الآن.
فإذا تمكن الثلاثي من توقيع اتفاق مع واشنطن، وإعادة فتح الاقتصاد الإيراني، وتثبيت الدولة، وتقليص الدور السياسي للحرس الثوري، فسيكون ترامب قد حقق شيئًا أكبر من إسقاط حكومة:
سيكون قد غيّر مركز القرار الإيراني.
أما إذا عاد الحرس الثوري إلى الإمساك بالمشهد، وتمكن مجتبى خامنئي من إعادة توحيد المؤسسة العسكرية والدينية خلفه، فإن ما حدث سيكون مجرد ضربة هائلة للنظام القديم، لا تغييرًا للنظام.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط كله هو:
هل قتلت أمريكا وإسرائيل رجال النظام فقط، أم قتلت معهم الطريقة التي كان النظام الإيراني يُدار بها؟
إذا كانت الإجابة الثانية هي الصحيحة، فإننا لا نعيش نهاية الحرب الإيرانية.
نحن نعيش بداية إيران بالصناعة الأمريكية الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى