
لو تأملنا المسافة الفاصلة بين أول تكنولوجيا عرفها الانسان (الأدوات الحجرية لتقطيع ومعالجة الطعام او استخدام العصي والعظام قبل حوالي 2-3 مليون سنة ) وقارناه بما لدينا الآن،فان الخيال مهما كان جامحا في المراحل الاولى لم يكن قادرا على تخيل ما بلغناه الآن، فالفارق بين السيف الذي يقتل شخصا واحدا في ضربة واحدة لا يقارن بقدرة روسيا بما تملكه حاليا من اسلحة نووية على تدمير الكرة الارضية كلها ست عشرة مرة ، هل تخيلنا ان الآلة ستفكر وستحل المشكلات وفي زمن اقصر كثيرا مما في قدرة الانسان …
المشكلة الاكبر أن هذا التغير في احلال الآلة للقيام بوظائف واقتحام مجالات جديدة يتسارع بوتيرة عالية جدا تعجز البنيات الاجتماعية البشرية عن التكيف معها، ومع الذكاء الاصطناعي بدأت عمليات التفويض التدريجي من البشر للآلة، واصبح امرا شائعا انتظار الروبوت المعلم والطبيب والانسان والمعماري والراقصة والرياضي والمفكر ، ولم يكن من المتخيل ان يشاهد الافراد نفس المشهد الحي في نفس اللحظة بينما بينهم مسافات متباعدة بعشرات الآلاف من الكيلومترات وبينهم وبين موقع الحدث مثلها،لكن التكنولوجيا ألغت المسافة والغت الزمن المطلوب..
يرى علماء الدراسات المستقبلية ان المرحلة الحالية(الذكاء الاصطناعي) تؤسس لمرحلة التقارب بين التكنولوجيات المختلفة ليكون ذلك الاساس للانتقال من التقارب والتعاضد بين فروع التكنولوجيا(Convergence) الى مرحلة الحوكمة(Governance)، فكل المؤشرات تشير الى ان الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبيوتكنولوجيا وفيزياء الكم والانظمة الفضائية تتقارب وبشكل خطي ومتسارع لتكون بديلا للبشر.
ما سبق يعني اننا نسير نحو –بقدر كبير من الاحتمالية- في الاتجاهات التالية:
اولا:استقالة تدريجية للبشر من مجالات الرياضيات والترجمة والتحليل والصور والكتابة والبرمجة وخدمة العملاء والتشخيص الطبي والتجارة …الخ.
ثانيا: حل المشكلات، فالذكاء الاصطناعي يسير بثقة عالية باتجاه استلام المشكلة، البحث في بنية المشكلة ثم تحليلها ثم يقرر ويطبق القرار ثم يراجع النتائج وقد يقر النتيجة وقد يعدلها، اما دورك هنا –كانسان فهو “المشاهدة والانتظار”، اي انك انتقلت من منفذ الى مجرد مراقب، وتزداد الامور دلالة إذا اتسع مجال الأتمتة ليصبح البشر مجرد مراقبين ويزدادون تهميشا.
ان الاتمتة المطلقة تعني ان العمل او المساهمة البشرية لن تكون ضرورية، لأن الآلة ستقوم بالمطلوب، وهنا إذا فقد البشر وظيفتهم -العمل- ننتقل الى اشكال اكثر خطورة وهو ” ما المعنى الذي يبحث عنه الانسان وما مبرر وجوده”؟ اي اننا سنمر بمراحل للتطور التكنولوجي بدأت بدور التكنولوجيا المساعدة للانسان، لننتقل الى الآلة البديلة للانسان، اليست هذه مرحلة تنبئ بزلزال قيمي يطال الميتافيزيقيا والفيزيقيا ذاتها؟
لقد طلبت من الذكاء الاصطناعي ان يكتب لي قصيدة غزلية حول رجل ينتظر حبيبته فرد على بقصيدة جميلة قائلا:
أطيلُ على ابواب قلبي انتظارها
كأني على جمر المواعيد أسهرُ
انادي نجوم الليل هل من بشارة
فتهمسُ صبراً انها الآن تُبصرُ
فإنْ اقبلتْ ،اشرقتْ حياتي كلها
وانْ غابت فالعمر دون عينيها أقفرُ.
***
ما رايكم في القصيدة، لقد خشيت ان يرسل الذكاء الاصطناعي شخصا يسرق تلك الحبيبة..وكم منا قادر على نظم قصيدة بهذا المستوى..هي قصيدة من مُحب لا قلب له ..فخذوا قلوبكم وارحلوا..بل عند الحوار مع الذكاء الاصطناعي تجد مفردات المجاملة والشكر والتشجيع الى الحد الذي يُنسيك بانك تتعامل مع آلة، وهنا اجد اننا نقف عند “أنسنة الآلة لذاتها” وهو ما يضيق الخناق علينا اكثر.
اخشى ان ينتهي بنا المطاف عند وظيفة واحدة فقط للبشر وهي “انتاج انفسهم”، واخشى ما اخشاه ان تزاحمنا الآلة حتى في هذه الوظيفة، بل اخشى ان نصل لمرحلة يكون الصراع فيه بين بني البشر والآلة، وقد تنتصر الآلة كما تخيلها فرانكشتاين،..هنا اعود للقول كم هي جميلة كلمة “ربما”، لكني اخشى ان ياخذها مني الذكاء الاصطناعي…فاستقيل.