
كتب:هاني الكنيسي
لم تكن صفة “مسيرة الحملة الصليبية” Christian Crusader March التي اختارها اليميني المتطرف ‘جيك لانغ’ Jake Lang لتنظيم مظاهرة معادية للإسلام، مساء أمس الثلاثاء، في قلب مدينة ‘ديربورن’ -معقل الجالية العربية بولاية ميشغان الأمريكية- مجرد عنوان استفزازي عابر.
بل كانت رسالة سياسية محسوبة، تحمل في طياتها دلالات مهمة عن التحولات الأيديولوجية في اليمين الأمريكي المتطرف، ومؤشرات عن العلاقة المعقدة بين خطاب الكراهية والرموز التاريخية والصراع السياسي الاجتماعي.
المظاهرة (أو المسيرة الصليبية) التي شهدت رفع أعلام تحمل شعار “الصليب المعقوف” Swastika وارتداء “أشرطة ذراع” نازية Nazi armbands ،
انتهت باعتقال 22 شخصًا، منهم من سافر من نيويورك وتينيسي خصيصًا للمشاركة في المسيرة.
ورغم الثناء على رد فعل الجالية المسلمة “المتعقّل”، تحت إشراف منظمات مثل “مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR-MI التي تبنت استراتيجية “عدم التضخيم” (بعدم الرد على الاستفزازات، وعدم نشر صور المتظاهرين أو الاشتباك معهم)، حسب تقرير شبكة ‘سي بي إس نيوز ديترويت’ CBS News Detroit، وكذلك الإشادة بتعامل شرطة المدينة تحت قيادة رئيسها ‘عيسى شاهين’ مع المظاهرة الصاخبة بمنتهى “الحزم والاحترافية دون الانجرار إلى دوامة العنف”، على حد تعبير التقرير المنشور في ‘التلغراف’ The Telegraph البريطانية .. رغم كل ذلك، فإن مشهد “الرموز النازية” في مظاهرة مناهضة للإسلام بدا مناقضًا لحقيقة أن العداء النازي -تاريخيًا- كان موجهًا ضد اليهود وليس المسلمين!!
لكن هذا التناقض الظاهري يزيل غموضه تحليل البنية الأيديولوجية لليمين المتطرف الأمريكي المعاصر.
فبحسب ما نشرته منصة Truthout الإخبارية الأمريكية، فإن ‘جيك لانغ’ (اسمه الأصلي Edward Jacob Lang، وهو ناشط أمريكي من اليمين المتطرف ومرشح سياسي سابق من فلوريدا، معروف بخطابه المعادي للمسلمين وبمشاركته في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، وقضى قرابة أربع سنوات رهن الاحتجاز بعد اتهامه بالاعتداء على شرطي وإثارة الشغب المدني، قبل أن يشمله قرار ترمب بالعفو عن مقتحمي الكابيتول في يناير 2025)، لا ينتمي إلى تيار محافظ تقليدي، بل هو جزء من حركة “القومية البيضاء” White Nationalism التي تجمع بين معاداة الإسلام، ومعاداة السامية، ومعاداة الأقليات بشكل عام.
هذا “التداخل الأيديولوجي” يفسر -نوعا ما- لماذا حمل متظاهرون شعارات نازية في مظاهرة معادية للإسلام: فالنازية، في تصورهم، هي رمز للسلطة البيضاء المطلقة، والتفوق العرقي، والهيمنة على “الآخر” بغض النظر عن عقيدته أو انتمائه.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم لماذا كانت ‘ديربورن’ بتركيبتها “الديموغرافية” (يقطنها حوالي 40% من المسلمين في الولايات المتحدة، معظمهم من أصول عربية) هدفًا استراتيجيًا للجماعات اليمينية المتطرفة، التي ترى في المدينة رمزًا لـ”أسلمة أمريكا” Islamization of America.
ففي فيديو نشره ‘لانغ’ على الإنترنت، متحدثًا في اجتماع لمجلس المدينة، قال إن المسلمين جاءوا إلى الولايات المتحدة “لسرقة ثرواتنا” و”لاغتصاب نسائنا”، في خطاب يتماهى مع “المؤامرة الكبرى” التي تروج لها الجماعات اليمينية الأمريكية المتطرفة، تحت عنوان “نظرية الاستبدال العظيم” The Great Replacement Theory (سردية عنصرية شائعة لدى تيارات القومية البيضاء واليمين المتطرف، تزعم أن “نخبًا” سياسية تعمل عمدًا على إحلال المهاجرين والأقليات العرقية والدينية محل الأميركيين البيض المسيحيين، لأهداف انتخابية وثقافية وسياسية”).
لكن لا يمكن قراءة “جموح” خطاب الكراهية وبيانات العنصرية ضد مسلمي أميركا، بمعزل عن مؤشرات تحول “سياسي”، لا تقل أهميةً في تفسير المشهد الأوسع.
فالمظاهرة “الصليبية النازية” جاءت بعد أسبوعين من فوز الأمريكي المصري الأصل عبد الرحمن السيد (عبدول)، بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض انتخابات نوفمبر عن ولاية ميشغان في نوفمبر المقبل، ليصبح الطبيب البالغ من العمر 41 عامًا، أول مسلم يفوز بترشيح حزب رئيسي لمجلس الشيوخ الأمريكي.
والحقيقة أن فوز “عبدول”، الذي جعل دعم الفلسطينيين وانتقاد إسرائيل والحرب الإيرانية جزءًا أساسيًا من حملته الانتخابية، على حساب منافسته اليهودية، ‘هايلي ستيفنز’ (النائبة في مجلس النواب عن ميشيغان لأربع فترات) التي أنفقت لجنة ‘ايباك’ AIPAC عشرات ملايين الدولارات على حملتها، أثار قلق وغضب اليمين الأمريكي المتطرف، الذي يرى في صعود المسلمين إلى المناصب السياسية العليا تهديدًا لهيمنتهم الثقافية والسياسية، بقدر ما أغضب اللوبي الصهيوني الذي اعتاد فوز مرشحيه.
والمؤكد أن فوز عبد الرحمن السيد يفاقم “هوس” اليمين الأبيض المتطرف وجماعات الضغط الإسرائيلية لأنه ليس حالة فردية، وإنما يأتي ضمن صعودٍ متزامن لكتلة مسلمة “تقدمية” باتت أكثر حضورًا في واجهة الحزب الديمقراطي.
ففي مينيسوتا، حسمت النائبة المفوّهة ذات الأصل الصومالي ‘إلهان عمر’ (ألد أعداء ترمب) انتخاباتها التمهيدية لولاية جديدة في مجلس النواب باكتساح أكثر من 80% من أصوات الديمقراطيين، وكذلك فازت النائبة ذات الأصل الفلسطيني ‘رشيدة طليب’ بسهولة في تمهيديات الدائرة الثانية عشرة في ميشيغان بنسبة قاربت 65%.
وقبل ذلك، شكّل فوز المسلم المولود في أوغندا ‘زهران ممداني’، برئاسة بلدية نيويورك، سابقةً جعلته أول عمدة مسلم للمدينة الأيقونية؛ كما منح نجاحه نموذجًا انتخابيًا لمرشحين يتبنون قضايا المعيشة والعدالة الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع مواقف مجاهرة بانتقاد إسرائيل.
وإذا كانت جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة (اللوبي الصهيوني)، ترى تلك التطورات صعودًا لـ”راديكالية يسارية معادية للسامية” وتتوعد بوقف مدّها “سياسيًا”، فإن اليمين المتطرف يقرأ هذا الصعود بمنظار “ديموغرافي وهوياتي” أشد خطورة، ويعيد إنتاج سردية “الاستبدال العظيم” لتصوير وصول المسلمين إلى مواقع القرار بوصفه تهديدًا وجوديًا لـ”أميركا البيضاء المسيحية”.
ومن هنا، يمكن فهم “واقعية” فرضيات “التعاون خلف الستار” بين التيارين “النازيين” في مواجهة العدو المشترك.