
كتب:هاني الكنيسي
بعد نحو نصف قرن، كشف بطل القصة -من خلف القضبان- عن هوية الزعيم الذي كان وراء اقتحام مقر منظمة الدول المصدرة للبترول ‘أوبك’ في فيينا عام 1975.
‘إليتش راميريز سانشيز’ Ilich Ramírez Sánchez، المعروف عالمياً باسم “كارلوس الثعلب” Carlos the Jackal، أجرى مقابلة مع الصحافي الأمريكي ‘جوبي واريك’ Joby Warrick داخل سجن ‘بواسي’ Poissy الفرنسي، الذي يمضي فيه عقوبة مفتوحة منذ الحكم عليه بالسجن المؤبد ثلاث مرات بين 1997 و 2017.
أكد “كارلوس” أن الأمر لم يصدر من بغداد، كما ذهبت روايات سابقة، بل من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي الذي كان “شخصيا” صاحب قرار اغتيال كل من وزير النفط السعودي آنذاك أحمد زكي اليماني، ووزير النفط الإيراني ‘جمشيد أموزيغار’.
شهادة “كارلوس” -الفنزويلي الأصل والبالغ حالياً من العمر 76 عاماً- نفضت الغبار عن ملف عملية تاريخية تجاذبتها سرديات متضاربة؛ ما بين شهادات سابقة عن دور ‘وديع حداد’ أبرز قادة “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وروايات إعلامية عن مؤامرة دبرها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وتحقيقات قادتها السلطات القضائية الألمانية بشأن تمويل القذافي للعملية.
لكن الأهم في شهادة “كارلوس” أنها تعيد ترتيب الأحداث من داخل المشهد الدرامي، على لسان منفذها.
صبيحة 21 ديسمبر 1975، تحوّل الاجتماع السادس والأربعين لوزراء النفط في مقر ‘أوبك’ بفيينا، خلال دقائق إلى فوضى وصراخ، عندما اقتحم المبنى ستة مسلحين ببنادق أوتوماتيكية وقنابل يدوية (خبئت في حقائب رياضية)، تحت قيادة “كارلوس الثعلب”، وقتلوا ثلاثة أشخاص؛ شرطي نمساوي وموظف عراقي في المنظمة النفطية وعضو في الوفد الوزاري الليبي.
ولم يمض وقت طويل حتى سيطرت المجموعة المسلحة على أكثر من ستين رهينة (بينهم 11 وزيرا للنفط)، واحتجزوهم في قاعة الاجتماعات الرئيسية بالمبنى.
وعلى الفور، فُخِّخت القاعة بعبوات ناسفة ووُضعت المتفجرات في المقاعد والأبواب لإثناء الأمن عن أي محاولة اقتحام.
وفي ذروة الفوضى والرعب، تقدم شاب نحيل لم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره، مخاطباً الرهائن بأدائه المسرحي: “أنا كارلوس الشهير.. أرجو أن تهدأوا جميعاً”.
كانت العملية مصممة لتكون حدثاً عالمياً كبيراً وصادما يجتذب تعاطف بعض الشعوب. فحمل المسلحون اسم “ذراع الثورة العربية”، ورفعوا شعارات مؤيدة للقضية الفلسطينية، وأجبر “كارلوس” السلطات النمساوية على إذاعة بيان سياسي كل ساعتين عبر الراديو، وطالب بحافلة وطائرة لنقل المجموعة والرهائن خارج البلاد.
لكن وراء “الخطاب الثوري”، كانت هناك “قائمة اغتيال” في جيب “كارلوس”.
وبحسب روايته، كان الوزيران ‘اليماني’ و’أموزيغار’ الهدف الحقيقي من العملية، فيقول: “كان المطلوب قتل وزير النفط السعودي ونظيره الإيراني بينما يُحتجز بقية المشاركين في الاجتماع كورقة ضغط”.
اليماني لم يكن وزيراً عادياً، بل كان أحد أكثر مسؤولي النفط نفوذاً في العالم، ووجه السعودية في معارك النفط داخل ‘أوبك’ خلال واحدة من أكثر مراحل تاريخها اضطراباً. فبعد الحظر النفطي العربي عام 1973، أصبحت قرارات المنظمة (التي كانت تضم 13 دولة في عضويتها آنذاك) محورية في التأثير على الاقتصادات الغربية والأسواق العالمية، واحتدم الخلاف داخلها حول تسعير النفط واستراتيجية التعامل مع الغرب.
كانت السعودية تميل إلى سياسة أكثر حذراً واستقراراً، بينما كان القذافي يتبنى موقفاً متشدداً يطالب برفع أسعار النفط والضغط على الدول الغربية، وكان اليماني يمثل العقبة الكؤود أمام المطالب الليبية.
ووفقاً لهذه السردية، لم يكن “كارلوس” مجرد ثائر يحمل لواء القضية الفلسطينية، بل منفذاً محترفاً لمهمة خطف واغتيال دولية، جرى تصميمها بحيث يتستر فاعلها الحقيقي خلف واجهة سياسية.
في لحظة ما، أبلغ “كارلوس” اليماني شخصياً بأن لديه أمراً بقتله. والمفارقة أن الوزير السعودي كان قد نجا في العام ذاته من واقعة مأساوية أخرى، حين كان يقف بجوار الملك فيصل بن عبد العزيز في مارس 1975، أثناء إطلاق ابن شقيق الملك النار عليه داخل الديوان الملكي، ليرديه قتيلًا.
انتهت الأزمة باحتجاز الرهائن لمدة يومين في فيينا قبل نقلهم على متن طائرة إلى الجزائر ثم طرابلس، حيث أُفرج عن جميع الرهائن بالتدريج مقابل شروط سياسية ومالية دون قتال إضافي.
وفي نقلة درامية من شهادته، يقول “كارلوس” إن القذافي “تخلى عنه عندما بدأت الأزمة تخرج عن السيطرة”. ثم وصفه لاحقاً في المقابلة الصحفية، بأنه “رجل مجنون، كاد أن يتسبب في مقتل جميع أفراد المجموعة”.
وتشير روايات تاريخية أخرى إلى أن مقتل عضو الوفد الليبي خلال اقتحام مقر ‘أوبك’ أثار غضب القذافي، وأن السلطات الليبية لم تقدم للخاطفين ما كانوا يتوقعونه من دعم، الأمر الذي دفعهم في النهاية إلى العودة إلى الجزائر.
وهكذا، تحولت العملية التي كان يفترض أن تكون استعراضاً للقوة وتصفية حسابات سياسية إلى “صفقة خروج آمن”، وانتهت الأزمة من دون إعدام اليماني أو’ أموزيغار’.
أما “كارلوس”، فخرج من العملية وقد صنع اسما أسطوريًا، وهو الثائر اللاتيني الماركسي الذي بدأ مشوار احترافه عضوًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث نال تدريبه العسكري واكتسب اسمه الحركي الشهير وشعبيته كرمز للمقاومة العربية، وحصد شهرةً خاصة بعد الهجوم الصاروخي على طائرات “إل عال” الإسرائيلية في مطار ‘أورلي’ بباريس يناير 1975.
وبعد واقعة الأوبك، أصبح “كارلوس” أكثر الوجوه شهرة في عالم الإرهاب العابر للحدود، مستفيداً من مناخ الحرب الباردة والتنظيمات الثورية وأجهزة الاستخبارات والأنظمة الحكومية التي كانت ترى في أمثاله أدوات لتنفيذ أغراضها “الدموية” من دون ترك بصمات.
مثلما سخّر مهارته الشخصية في صنع صورة “الإرهابي النجم”؛ بالقبعة السوداء، والإطلالة الواثقة، والمسدس، والجميلات، والسيارات الفاخرة، والظهور المتكرر في الصحافة.
أما لقب “الثعلب”، فالتصق به عندما عثرت الشرطة البريطانية خلال تفتيش إحدى الشقق التي استخدمها كمخبأ في لندن على نسخة من رواية The Day of the Jackal للكاتب البريطاني ‘فريدريك فورسيث’، وتحولت تدريجياً إلى “براند” أشهر المطلوبين آنذاك في العالم.
تعددت عملياته وتنوعت من دولة لأخرى، وارتبط اسمه بمحاولات اغتيال وتفجيرات في أوروبا والشرق الأوسط.
لكن بمرور الوقت، ابتعد “كارلوس” عن العمل التنظيمي التقليدي، وتحول إلى ما يشبه “مرتزقاً سياسياً” يعمل لحساب جهات ودول وتنظيمات مختلفة.
وبعد سنوات من المطاردة، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتغير البيئة التي سمحت له بالحركة بين العواصم، انتهت رحلة “الثعلب” في الخرطوم أغسطس 1994. حين تمكنت الاستخبارات الفرنسية -بالتعاون مع السلطات السودانية- من الإيقاع به، ونقله “مخدرًا” إلى باريس ليواجه سلسلة محاكمات، ويُدان في قضايا قتل وعمليات إرهابية، ويقبع في زنزانة لن يخرج منها إلا جثةً للدفن.
لكن يبقى اسم “كارلوس” -إلى اليوم- جاذباً للأضواء، وتبقى رواياته أو شهاداته على الأحداث صانعةً لعناوين الأخبار.