
لم يخبرني أحد أن السقوط يمتلك صوتًا
كنت أظنه مجرد ارتطامٍ بالأرض، ثم ينتهي كل شيء.
لكنه كان يتكلم…
كان يهمس لي وأنا أهوي:
كل ما يفلت من يديك الآن… لم يُخلق ليبقى.
في البداية قاومته
تشبثت بالأشخاص حتى جرحت كفي، وبالأحلام حتى تحولت إلى قيود، وبالنسخة القديمة مني حتى كدت أختنق بها
كنت أعتقد أن النجاة تعني ألا أسقط
ثم اكتشفت متأخرًا أن النجاة الحقيقية…
أن تعرف كيف تسقط
رأيت الأشجار
لم تكن تخاف الخريف، لأنها تعرف أن أوراقها لا تموت، بل تعود بصورة أجمل ورأيت النسر.
لا يطير لأنه يملك جناحين، بل لأنه يثق بالهواء الذي لا يراه.
ورأيت الإنسان
المخلوق الوحيد الذي يخاف من الكسر، مع أن الضوء لا يدخل إلا عبر الشقوق.
حين وصلت إلى القاع، لم أجد وحشًا كما تخيلت
وجدت نفسي
كانت تجلس هناك، هادئة، تنتظرني منذ سنوات
قالت لي:
أخيرًا لقد تأخرت كثيرًا حينها فقط فهمت
أنني لم أكن أسقط من الحياة كنت أسقط من الوهم
سقطتُ من الصور التي رسمها الناس لي،
من التصفيق الذي ظننته حبًا،
من العلاقات التي كانت تستهلك قلبي وتسمي ذلك وفاء،
ومن الأحلام التي اخترتها لأن الجميع أحبها، لا لأن روحي أرادتها
كان السقوط عملية جراحية،
استُؤصل فيها كل ما لم يكن أنا
ومنذ ذلك اليوم
لم أعد أقيس الارتفاع بعدد الطوابق،
ولا بعدد الانتصارات،
ولا بعدد الذين يصفقون
صرت أقيسه بشيء واحد فقط
كم نسخةً قديمةً مني ماتت…
لكي أولد
لهذا
كلما قال أحدهم:
لقد سقط
ابتسم
لأنني أعرف سرًا لا يعرفه الجميع
أن البذور أيضًا يظنها العالم مدفونة،
بينما هي في الحقيقة
تتدرّب على اختراع الغابة.
وأن النجوم لا تُرى إلا بعد أن تسقط الشمس
وأن الإنسان لا يبلغ قمته حين يقف فوق الجبل
بل حين يقف فوق خوفه
لهذا لا أؤمن بأن كل سقوطٍ هزيمة
بعض السقوط ليس نزولًا إلى الأسفل
بل صعودٌ بدأ من جهةٍ لم ينتبه إليها أحد.
أليس عبدالله ركاب …