كتاب وشعراء

الذين اختفوا مبكرا !! …بقلم علي سيف الرعيني

في البداية نظن أنهم سيكونون جزءًا دائمًا من أيامنا، نبني معهم أحلامًا، وننسج حول وجودهم شعورًا بالأمان، لكن الحياة تملك قوانينها الخاصة، فهي لا تمنحنا دائمًا من نحب، بل تمنحنا أحيانًا من نحتاج إليه في مرحلة معينة، ثم تسترده بصمت

كم من كلمة قالها شخص عابر غيّرت مسار حياتك؟ وكم من موقف صغير أعاد ترتيب أولوياتك؟ وكم من إنسان لم يمكث طويلًا، لكنه ترك داخلك أثرًا لا يمحوه الزمن؟

هناك معلم لم يدرِ أن نصيحته صنعت مستقبلك، وصديق أعاد إليك ثقتك بنفسك ثم فرّقتكما الأيام، وغريب منحك فرصة لم تكن تتوقعها، أو شخص أحببته بصدق، لكنه برحيله علّمك كيف تعتمد على نفسك، وكيف تقف بعد كل انكسار

قد يكون وجود بعض الأشخاص قصيرا لكنه عميق إلى درجة أن سنوات طويلة بعد رحيلهم لا تستطيع محو بصمتهم. فهم لا يغيرون تفاصيل حياتنا فقط، بل يغيرون الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم

والمفارقة أن أكثر الأشخاص تأثيرا في حياتنا ليسوا أولئك الذين بقوا معنا بل أحيانا أولئك الذين غادروا مبكرًا. فبعد رحيلهم نكتشف أننا لم نعد كما كنا، وأن شخصيتنا أصبحت أكثر نضجًا، وقراراتنا أكثر وعيًا، وقلوبنا أكثر قدرة على التمييز بين من يستحق البقاء ومن كان مجرد درس جميل

لكن الإنسان بطبيعته يقاوم فكرة الرحيل، ويحاول أن يمنع الزمن من أخذ من أحبهم. يظن أن النهاية تعني الفشل، بينما الحقيقة أن بعض العلاقات تنجح لأنها تنتهي في الوقت المناسب، فتترك أثرًا نقيًا لا تفسده الأيام ولا الخلافات

ليس كل اختفاء خسارة، فبعض الغياب كان بداية حضورك الحقيقي. ولولا رحيل أشخاص معينين، لما اكتشفت قوتك، ولما خضت تجارب صنعت منك إنسانًا أكثر حكمة واتزانًا. فهناك من يغادر ليترك لك مساحة تنمو فيها، وهناك من يبتعد حتى تدرك قيمتك بعيدًا عن ظله

إن أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه هؤلاء هو الامتنان. لا لأنهم بقوا، بل لأنهم أدوا دورهم بإخلاص، حتى وإن لم يقصدوا ذلك. فقد كانوا فصلًا مهمًا في قصة حياتنا، وليس شرطًا أن تستمر كل الفصول حتى تكون الرواية جميلة

وفي الاخيرربما يدرك الإنسان أن الحياة ليست قائمة بأسماء الذين بقوا، بل سجل طويل من الأشخاص الذين مروا، وترك كل واحد منهم بصمة مختلفة. بعضهم علّمنا الحب، وبعضهم علّمنا الحذر، وبعضهم علّمنا الصبر، وآخرون علّمونا أن النهايات ليست دائمًا مؤلمة، بل قد تكون بداية الطريق نحو نسخة أفضل من أنفسنا

فلا تحزن كثيرا على من اختفى بعد أن غيّر اتجاه حياتك، فربما كان وجوده رسالة، لا إقامة، وكان دوره أن يفتح لك بابًا لم تكن لتراه لولا أنه مرّ من هنا ثم مضى، تاركًا خلفه إنسانًا لم يعد كما كان!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى